يرجى من جميع الكتاب والباحثين وأهل القلم ممن يرغبون نشر نتاجهم في المجلة أن يأخذوا بالاعتبار أن تكون المادة تنشر للمرة الأولى.. وشكرا
[ الآراء والمواقف المتضمنة لا تعبّر بالضرورة عن رأي المجلة ]



قصة قصيرة

 تـانـغـــــو 

رشا الاطرش

باق من الوقت ربع ساعة.
الجسدان مغسولان بالعرق. تنضح منهما سخونة طازجة. تمتزج أبخرة جلدها الرطب، مجدداً، مع بقية عطرها. فكّر في سؤالها عن اسم هذا العطر، قبل اسمها. لو فعل، لأجابته بابتسامة فخورة: «إدمان». لعلّه سيقول إنه لم يسمع بهذه الماركة من قبل، كما يعترف معظم سائليها (وسائلاتها). وهنا سينجلي دلالها: هذه رائحة لم تبتذلها نصف نساء بيروت، ليس بعد. لكنها لم تقل شيئاً... لأنه التزم الصمت، من دون أن يدري أنه لا يمكن لهذه اللحظة أن تعبق بطابع آخر، إذ لا تتهاون ياسمين في بعض عاداتها. الرشّتان الكريمتان خلف الأذنين طقس خروجها إلى الناس، كل يوم. مذ كان هندامها الصباحي يقتصر على مريولها المدرسي الأزرق. وهي لم تبدّل هذا العطر بالذات منذ أن استقر الرأي بأسامة على أنه شمّ «ياسمينته» في هذه القنينة.
«ياسمينته» إدمان. و«إدمان» ياسمين «انطباع المخمل في ذوبان عيدان القرفة»، ينهمر منعشاً من العبوة الزرقاء الداكنة.
لقد توصّلَت أخيراً إلى توليف هذا الوصف المكثّف لشذاها الخاص (على اعتبار أن العطر نفسه ليس نفسه على كل شخص). وبما أنها استساغت هذه الرائحة بالتحديد، ما إن تذوقتها للمرة الأولى، فلا رغبة لديها في تغييرها حالياً. وقررت تحريرها من أسامة. بالمخمل والقرفة امتلكتها. بوحي من عنوان رواية بكر لكاتب شاب تعكف دار النشر التي تعمل فيها على إعدادها لمعرض الكتاب المقبل: «مخمل أسود». تريد ياسمين أن تكرّس دوافع مواظبتها، ولو بعد حين، على هذا العطر دون سواه. لأنها لم تتلقّه وحسب، وقد بات هي دون سواها.
يوزع جسدها الآن، في ربع الساعة الأخير، مخملاً وروح القرفة. تمرر أصابعها، المعقودة على امتلاءة طفيفة، في شعرها الأبنوسي الطويل.
لقد اعتادت أن ترش شعرها وذراعيها المكتنزتين بياضاً. يجب على كل نسمة، مهما كانت خفيفة، أن تحمل معها شيئاً من ياسمين. إن هذا ليس هدفاً تعلنه لنفسها كلما انتهت من ارتداء ملابسها، المقررة منذ الليلة السابقة، واستعدت لتغادر البيت. هو الروتين، وعمقه تواطؤ مع الذات. كمن يتأنى في فرك أسنانه، كل صباح، ككل الناس، ويضمر نحت ابتسامة الإعلانات. تجزل الرش بين حدّي العظمتين الصغيرتين الناتئتين أسفل رقبتها. تتأكد من أن الرذاذ وجد سبيله الناعم إلى مستهل صدرها. تعيد الزجاجة إلى مكانها على المنضدة، تحت المرآة. تحمل حقيبة يدها والمفاتيح، وتعبر الباب إلى ازدحام العالم.
ربع ساعة إذاً.
ينقبض الهواء على المسافة التي تفصل جسدها عن هذا الجسد الجديد. لكنه مجرد حضن. صدر أمام صدر، ووجه لوجه. يبقى الانقباض خارج ياسمين. لا يمر عبر معدتها، ولا ينزل على ساقيها بَرَداً. لا يجعل أي شيء فيها يفيض عن أوعيته، أو يتحدّى حدّه. لا يستنفر في قلبها نصف الدقّة الحمراء الإضافية. لم تتذكر أسامة. الحقيقة أن ياسمين، في بداية هذه الغمرة الآنية، لم تفكر في أحد. بل استغرقت، بلا قصد، في ياسمين. وبأثر من هذا الاستغراق، وفي اللحظات التالية، عادت إليها عبارة لا تنساها، وإن غابت فلتحضر، كلما قامت بمجهود يجعل أنفاسها تتسارع. هي العبارة التي قالها لها «الحب»، كما كانت تحفظ رقم هاتفه على جهاز الخلوي. ومنذ أن محته، لم يُحفظ رقم آخر بهذا الاسم. أسامة كان «أسامة»، وحتى كريم لم يرقَ إلى أكثر من «كركر». في يوم بعيد قال لها «الحب»، ورموشه الطويلة تسقط على نهدها كقُبلة طفل: «كم هي ناعمة دقات قلبك...». لم تر وقتها عينيه. فقط قبّة شعره الكستنائي الأملس. قالها ودفن رأسه أعمق، حتى خالت أنه سيخترقها كيما يصل روحها.
تقول منال، صديقتها من أيام الجامعة، إن هذا «الشبح» هو السبب الحقيقي وراء رفض ياسمين إعطاء أسامة، أو أي رجل آخر، «فرصة الشك». تعبّر منال عن نفسها أكثر باللغة الإنكليزية. وغالباً ما ترمي محدّثها بهذا المصطلح الذي أصبح محط كلامها، في السياسة والنميمة، وحتى في وصف قطعة ملابس ترددت قبل شرائها. المهم أن ياسمين تنكر وتجادل. لا لإسكات إصرار منال، بل لأنها تصدق نفسها فعلاً. تشتري بالقناعة انعتاقها والحياة الآتية. «شبح».. «فرصة الشك»... تطنّ التعابير في رأس ياسمين. ولو كانت للكلمات رائحة، لاشتمّ الشاب الذي يحضنها الآن ما يذكّر بقرن الفلفل الحار مغمّساً بسراب عطرها اللصيق.
ما زال في أوله العناق المشطور بفضاء ثلاثين سنتمتراً، أو أقل بقليل.
ما زال في أوله ربع الساعة الأخير... متسع من الوقت لرقصة ثنائية أخيرة هذا الأسبوع.
كيف أصر أسامة على السفر بُعيد حرب تموز؟ هكذا، وبكل بساطة؟ وكيف أصرت هي على إنهاء العلاقة لأنها «لا تجيد الحب من بُعد»، ولأن خاتم الخطوبة ليس «ريموت كونترول»؟ لم تعد الأسئلة ذات شأن. في ذلك اليوم، كان «إدمان» يحوم فوق لقائهما عندما قاطعته، لدقائق، نفحة النعناع المنبعثة من حبة علكة، مضغها أسامة ببطء وقال إنه قرر السفر للعمل في دبي. سيلبي عرضاً مهنياً «مجنون اللي بيرفضه، وبيضل بهالبلد»، مع أن الراتب لا يزيد سوى بضع مئات من الدولارات عما يتقاضاه كمهندس معمار في لبنان. لكن... «هونيك الواحد عندو مجال يتطور، بيقدروا المخيلة، في براسهم مدينة عم يركبوها، وعم تظبط معهم، فاهمين الدنيا كيف صارت وشو بدهم منها، ونحنا مش رح نعرف نعمّر البيوت المدمرة بالجنوب، هذا إذا ما متنا على الطريق بانفجار سيارة مفخخة..».
انتهى. دفعت بثقلها كرسي المقهى إلى الوراء، مرة واحدة. ومشت.
أقل من ربع ساعة.
الغرفة واسعة لا يملؤها الراقصون. مجموعات صغيرة، الواحدة من شخصين أو ثلاثة، تتناثر في الأرجاء. البعض يستغل أفول الموسيقى لاستراحة قصيرة ودردشة عابرة. والبعض الآخر يستمر في الرقص، باجتهاد، ويعدّ الإيقاع بصوت عال من 1 إلى .8
المراوح في الزوايا، طواحين زمنية. لكن، كل هذا الحر! يتفاقم، مثل أزمة...
إذا كان المولد الكهربائي لا يحتمل التبريد، فما نفعه؟ فليضيئوا الشموع أو البطاريات، بدل المصابيح، وليبقوا على التبريد! تمتمت ياسمين شيئاً مقتضباً بهذا المعنى، ولم تنتظر إجابة.
فتاة قريبة تتحدث مع أحدهم عن الحرب الدائرة في نهر البارد شمالاً. قالت شيئاً عن الفيول ومحطات التوليد المعطّلة بسبب الاشتباكات، أو تخوفاً منها. بدت لياسمين كمن تقصف المسكين بالكلام قصفاً. كأنها، هي نفسها، تعمل بطاقة المولّد الصغير الهادر في الخارج. شفتاها لا تقلان عن شفرات هذه المراوح التي بالكاد تتفوق على الشبابيك المفتوحة على مصراعيها. في هذه الأثناء، كانت الذراع المكسوة بشعر خفيف قد التفّت حول خصر ياسمين. ارتجفت الذراع قليلاً، لكن ياسمين لم تلاحظ ذلك. لم يكن الشاب خجلاً. إنه التردد الذي يطبع تلاقي الغرباء، ولمساتهم الطارئة. تمهّل في فرض طوقه.
«أوكي؟»
قدّم باكورة ابتسامة لطيفة ومنزوعة السحر. لا وسامة من نوع معين في وجهه، مجرد وجه أليف. بدا لها طوله فارعاً، بالرغم من كعب صندلها الأحمر. في هذه اللحظة، رغبت في تقليص «البكلتين» المحكمتين حول كاحليها مقدار فتحة في لسان الحذاء الرمّاني. لكنها لم تفعل. لصوته نبرة اعتذار وتحفظ. ومع أنه لا داعي للاعتذار في موقف يقوم على رضى الطرفين، والمتعة المسمّاة بينهما، إلا أنه أشعرها بأدبه. بدا خبيراً في تغليف رسميّته بود لا ألفة فيه بالضرورة. طأطأ رأسه ورفعه في ثوان. ربما يستعيد، على عجل، ثقته بنفسه ومكانته كـ«قائد». انتظر أن ترد عليه بـ«أوكي» موافقة قبل أن يأخذ يدها في كفّه الأيسر ويطبق عليها بالشدة المطلوبة. وكمن تمرّن مسبقاً على دوزنة القوة التي سيمسك بها يد فتاة، لف عزم أصابعه حول راحتها، فأسرها وما عادت تملك يمينها. بين خنّاق القبضة، وبين رخاوة لا تترك في الجلد أو النفس أثراً. اليد ترتاح في اليد، لكن بلا مفر.
«وبدون أن أدري تركت له يدي لتنام كالعصفور بين يديه». إنها جملة ياسمين المفضلة في أغنية «أيظن». بصوت عبد الوهاب، لا نجاة الصغيرة.
باق من ربع الساعة عشر دقائق.
انطلقت الموسيقى من الستيريو المثبت على حافة المرآة الجدارية. «كومبارسيتا» التانغو. ثم انطفأت. ستعود نغمة الأكورديون المتدثر بالكمنجة، ما إن تنهي أليسيا عرضها التعليمي. لقد قررت مدربة صف المبتدئين في نادي «نايملس» («بلا اسم»!) للرقص، تهيئة المشتركين لرقصة التانغو، بعدما استنفدت ثلاثة أرباع الساعة في استكمال مبادئ السالسا من حصة الأسبوع الماضي.
«ثلاثون ألف ليرة في الشهر، ولو كان هناك طلب كاف لفتحنا صفاً للتانغو»، على ما قالت أليسيا في دردشة سابقة مع ياسمين. يبدو أن السالسا «شعبية» أكثر، تنفع في السهرات، كما فهمت منها. أما التانغو فمزاج خاص. يجيده هذا الغريب، الذي يحمل خرّاج جسدها كما يحمل بائع التحف مزهرية ثمينة. لكنه مزاج لا يشعل حماسته بقدر ما فعلت السالسا قبل دقائق. ما الذي يأتي به من صف المحترفين ليراقص المبتدئات؟ ستسأله في ما بعد. أو... لا يهم. ها هو الإيقاع تلقّمه أليسيا للأرض...
باستجابة شبه أوتوماتيكية، استقام ظهر ياسمين وكتفاها. الأجساد من حولها لا تزال محتارة. منذ قليل كانت تطاوع السالسا ودورانها. اقتراب وتباعد رجراجان بما يكفي لتأخذ الرقصة كفايتها من الأوراك النسائية والرجالية على حد سواء. والآن تطالبهم أليسيا: «بدنا نشد جسمنا شوي». تنقلب الإثارة إلى إثارة. يتراجع حبور السالسا الكوبية، والعضلات المشحونة إيقاعاً محموماً يسري في الأكتاف والأذرع والأرداف والسيقان والأقدام.
صار المطلوب اعتداداً... بماذا؟ استعادت ياسمين تركيزها على وضعيتها المستجدة بين ذراعين سمراوين قويتين. لقد لاحظت لتوها أنهما اختزنتا كفايتهما من شمس الصيف، فبدتا لها مفعمتين بالصحة.
أسفل ظهرها، ضغط خفيف من أطراف أصابعه. هي إشارته لها بأنه يتحيّن انطلاقة الموسيقى ثانية لجذب خطوتها الأولى باتجاهه. في الأجواء بعض رصانة، ثم ترجّ الموسيقى. على الفور، يَشقّ خط ذهبي صدر ياسمين. لماذا تشعر الآن باللون الذهبي بالذات؟ وفي هذا العمق من الرئتين؟
«هلق الشاب والصبية أهدأ بس أقوى...»، تخطب أليسيا بحزم لطيف في جمهورها ذي الحضور النسائي الطاغي. هي الديموغرافيا المصغّرة التي تضطرها إلى أخذ دور «الشريك» مع عدد من الصبايا اللواتي لا يجدن من يطبّقن معه ما تؤديه المدربة، ثلاث أو أربع مرات، في مركز دائرة من «تلامذة» معظمهم يكبرها سناً.
تعانق أليسيا شاباً افتراضياً من هواء وتكسر الخطوات: «آن، دو، تروا... سلو، سلو، كويك كويك». تتحوّل إلى روبوت. وسيط ميكانيكي، لا تلينه روح المعزوفة، أو الرقصة التي تعمر في خيال كل ثنائي، و«نصف الثنائي»، من حوله. الوسيط المحترف للتعليم. وقد تمكّن الصف أخيراً من أداء النقلات الأربع الأساسية الأولى.
انتهى ربع الساعة وانفض صف الرقص.
تقود ياسمين سيارتها عائدة إلى البيت. ما زالت تدندن مطلع الموسيقى الأرجنتينية التي علقت عليها لكثرة ما أعادت أليسيا الـ«تراك» ذاته على الـ«سي دي» وهي تراقب صفها يتعثّر ثم يرقص.
ليست المقطوعة نفسها الموجودة في البيت على أسطوانة «فينيل» سوداء. فتلك تحفظها ياسمين عن ظهر قلب: طفلة مسكونة بالدهشة تتفرج على والديها يرقصان. ردفا أمها الممتلئان يشتدان بالعنفوان، بل لعله المجد، تحت قبضة تحتويها. تلتصق برجلها. جسد بظهرين. نقلة رشيقة بعد نقلة. مقاطع الموسيقى قصيرة، مبتورة، وقد بدت لياسمين جامعة لتناغم العالم مع العالم. تركّب الآن الإيقاع على الإيقاع، والزمن على الزمن، من دون أدنى جهد. يبدو أن إصرار البنت على أبيها ليعيد الإبرة إلى مكانها الأول على «الديسك»، حالما يختتم جولته الأولى مع «حبيبته الكبيرة»، لم ينتفِ إلى مكان بعيد في ذاكرة ياسمين. (كانت تندسّ بينهما بخبث، ما إن يهم والدها بوضع ذراعه حول كتفي زوجته أثناء مشاهدتهما للتلفزيون. فيربّت على ركبة ابنته ويشدّ، معلناً أن «هيدي حبيبتي الكبيرة وهيدي حبيبتي الزغيري»). يوافق البابا على إعادة الكرّة، لتكون ياسمين بطلته هذه المرة. يحيطها بذراعيه الدافئتين، المتطوعتين للانخفاض بما يتناسب وطول ابنة السنوات العشر. يحاول أن يلقنها مبادئ الرقصة، فتجاريه بانبهار لا ينال من انضباطها. تخطئ، فيعيد، إلى أن يفوزا بمستطيل لا تكدره دعسة. كان يشرح لها بأن عليها أن تواكبه، بقدميها، لرسم مستطيل وهمي على الأرض. يكتمل أخيراً الشكل الهندسي، بخطوطه الخيالية، مع قفلة نصف ملحمية مصدرها مكبرا صوت يجاوران خزانة غرفة الطعام. تُفلت ياسمين من غمرة البابا لتلف حول نفسها، مصفقة لها. ويطلق بدوره ضحكة برنة «الإكسليفون» الأصفر الذي تحتفظ به في خزانة ألعابها. يتلقفها في حضنه المدوّر.
... تدور وتدور الشارة في أعلى شاشة الكمبيوتر. مَدُّ العلامة الحمراء، أسفل النافذة الإلكترونية، يعلن اكتمال إنزال الفيديو على موقع «يوتيوب» الذي تزوره ياسمين في استراحة الغداء. صار جاهزاً لعرض سليم من الاعتداءات المَلولة للإنترنت اللبنانية. لقد خرج زميلاها للتو إلى المطعم في آخر الشارع، حيث الصحن اليومي اليوم ملوخية «لا تُفوّت». باستطاعتها إذاً الاستغناء عن سمّاعات الأذنين. تقضم ساندويش الطاووق، وترفع قليلاً صوت الـ«سبيكر». مكبر الصوت، بترجمة حرفية من الإنكليزية، هو «الحاكي». وياسمين تسمع، أكثر ما تسمع، بعينيها.
«تانغو» مكتوبة على يسار الشاشة أمامها في خانة «نتيجة البحث». رجل وامرأة. يختصران فكرتهما. يمارسان تلك الاستراتيجيا. تحاول ياسمين ألا تسرح في العناوين العريضة التي تمر في بالها. شغفها الآن التفاصيل. الرجل يقود رفيقته المنصاعة طوعاً. يديرها، بذاك الضغط الخفيف من يده على ظهرها. السيطرة، لامرئية. تعرف ياسمين هذا الجزء. لقد أتت، ورأت، ورقصت في قاعة «بلا اسم». تتابع هذا الفيديو من دقيقتين. حواسها مشنّفة، أذُنا أرنب. ما اسم كل هذا التوق؟ ذاك المعلّق إلى حين؟ تلك الكيمياء التي تغلي، لتُخرج فقاعة مؤجلة. ستطرق المرأة، بكعب حذائها المروّس، أرض الشاشة. حذاؤها الذهبي. قريباً سينجلي كل تلميح. لكنه الآن «الرجل»، يهندس أضلاع المستطيل السحري. يقرر التقدّم بالرقصة. ويأذن متى شاء بعودته، وشريكته، القهقرى. يهيمن، أو هكذا يعلن الجسد القوي في ما يبدو أقرب إلى الجرّ، منه إلى شراكة في اللعبة. وهي «المرأة»، تؤدي معه رد الفعل. بالساقين والظهر والرقبة والرأس، تجاريه. تلاعبه، وهو القائد. تريده قائداً، وهو يرى ما يريد.
تشاهد ياسمين، مأخوذة. تنسى قضم لقمة أخرى من الساندويش. بكل هذا التنظير تفكر. تهرب، من دون أن تدري، إلى عقلنة المشهد. تتثاقف... على من؟ كم أنها تريد... تريد... هذا «الشيء»، مرة أخرى.
تزفر تنهيدة جلودة. وحدها في الغرفة، خلف مكتب. يخطر لها أن في المشهد سياسة تُلعب: الرجل «الرجل»، والمرأة «المرأة». في الدقيقة الثانية، يقع التغيير طفيفاً، وجذرياً. تستقيم ياسمين في كرسيها ذي القاعدة المدولبة. تنزل ساقها عن ساقها. كأنها تستعد، الآن وهنا، لتلبية دعوة الحب إلى حلبة بأرضية خشبية، تنزلق بها في كل الاتجاهات. ها قد بدأت المرأة ذات الفستان المشمشي بتطويع الموقف. يستحيل شريكها تكيّة بشرية، وإطاراً لحركتها تزداد سرعة، لركبتيها تتوجان زوبعة الكاحلين. قدماها آخر مطاف قدميه. ذراعاه ما زالتا حدودها، لكنها تكسرهما وتستبقيهما من حولها. عناد أنثى يقع على الذكر، كالإغراء. تطفو المرأة على إحساسها بحركتها، ثم على جسده يُقسم بريادة الدقيقة الموسيقية الباقية. جذعها الذي وعد، في لحظة مضت، بالتزام تهاويه على ربطة العنق، الآن صلب، ذوّاب. هي المخمل، وهو عود القرفة.
ياسمين والخط الذهبي من جديد. كأن شمساً تبزغ.
لقد جمّدت الراقصة، عصفها على الشاشة، شبه راكعة. وجَمدَت إزاءها البذلة البنّية، في اللحظة ذاتها. يلهثان. تتقارب الشفاه، حتى الحدود ما قبل الأخيرة.
... يدخل الزميلان غرفة المكتب.
«ليش مش فاتحة التلفزيون؟ عم بيقولوا طلع انفجار!». الصورة على الشاشة الكبيرة دمار ونار، والخلفية هدير سيارات الإسعاف.
تقفل خطوط الهاتف كالعادة، وستجهد ياسمين لطمأنة أهلها عليها.
متى ينتهي هذا الكابوس؟
على الرف في غرفة نوم ياسمين كتاب غالباً ما تسارع إلى تناوله ما إن تنهض من الفراش. تقلّب صفحاته قبل أن تنسى الرؤى ـ المفاتيح من منامها. تنبش معاني الكلمات في الفهرس، وتربط بينها، في محاولة لتفسير أحلامها «علمياً»: «كلب»، «أسنان»، «بحر»، «دم»... كلها تقول شيئاً عن ياسمين النائمة اليقِظة. لو أنها تستشيره الآن. «اللون الذهبي: رمز الشمس وبالتالي الوعي والعقل والحقيقة.. الذكر الغالب، وأيضاً يرمز الذهبي إلى الحدس».
تكرر ياسمين سؤالاً ليس موجهاً إلى أحد بعينه: «شو آخرة هالكابوس»؟
لقد انصرفت تماماً عن خاتمة فيديو «تانغو». ولم تنتبه إلى أن إضاءة المسرح، المصوّر بكاميرا هاوية، كانت قد انحسرت عن قدمي الراقصَين. في الثواني الثلاث الأخيرة، اكتفى الضوء بوجهيهما. وحذاء المرأة، ذات الفستان المشمشي، صار بلا لون.                                                  

30\5\2008 ـ السفير


      مجلة دليل الكتاب :
  • الصفحة الرئيسية
  • لإرسال المقالات أو التعليقات

      أقسام المجلة :
  • قراءة في كتاب
  • قراءة في ديوان
  • قراءات مختارة
  • قراءات نقدية
  • ثقافة وآداب
  • أبحاث ودراسات
  • أشعار وقصائد
  • مؤتمرات ومهرجانات
  • معارض
  • مقابلات
  • تحقيقات
  • مواضيع المجلة
  • أراء خاصة
  • قصة قصيرة
  • أخبار ومتابعات
  • ما يكتبه القراء
  • سيرة ذاتية

      الجديد :



 تهافت منطق "التأويل العلمي" عند الدكتور زغلول النجار وآخرين!

 شكوى الحروف

 قلْ .. ولو كفراً

 رقَّ القلب

 أيها النقاد.. أنتم أمناء ولستم مسترزقين.!؟

 الروائية اللبنانية هدى بركات وثقافة الحرب

 أمسية شعرية فـي (شارع الوكلات)

 المسرح العُماني وبذور الإبداع

 قراءة في رواية

 ما نعرفه نصف الحقيقة وما نخشاه نصفها الآخر


      البحث في الموقع :







      مقالات عشوائية :



 قراءات نقدية في المسرح 2/5 : أيام صحار المسرحية تتوهج بمواهب الشباب

  العِقْدُ المَاسِيُّ..

 صباح الموت يا غزة

 رواية الشغف بين الخيال والواقع

 أحـمد فـؤاد نجم خادم الشعب لا الصـور الأدبية

 تفاصيل الغرفة [110]

 اتحاد الكتّاب اللبنانيين

 شِقْشِقَةُ قَلَمْ محكماتٍ في أفلاكها

 الاتفاقية الدولية للقضاء على كافة أشكال التمييز ضد المرأة

 "الأعمال الشعرية" لرشيد الضعيف : الشعر بوصفه الزاوية الأخرى للمثلّث


      وأيضا :
  • موقع دليل الكتاب
  • الصفحة الرئيسية
  • أرشيف الموقع
  • أضف الموقع للمفضلة
  • إجعل الموقع رئيسية المتصفح

      العنوان :


دليل الكتاب
الوسيط الثقافي بين القارئ والناشر

الناشر

ديوان الكتاب للثقافة والنشر

المدير المسؤول : خالد الغُربي
مدير التحرير : علي دهيني

طريق المطار - خلف مبنى الضمان الإجتماعي - بناية جابر - ط1
هاتف وفاكس : 01451552
ص.ب : 1001/85 - 2010
info@dalilmag.net


Designed , Hosted  &  Programmed by : King 4 Host . Net