|
قصتان قصيرتان محمد عطية محمود
(1) طقوس .. للرؤية
يلتصق جسمك ـ متعامدا ـ على حد الجانب المغلق للباب الحديدي ، بالمدخل الرخامي البارد ، و تتعلق يداك ـ متقاطعتين فوق رأسك بأعلاه .. بنصف وجه .. تحدّق بالداخل .. تخترق عينك اليمنى ، نحو شجيرات الورد على الجوانب .. تبحث ـ بحيرة ـ وسط وجوه باسمة ، و أخرى واجمة ، متحلقة حول المناضد .. يتقافز حولها أولاد .. ينطلقون في أنحاء مسطح أخضر واسع .. يتراشقون الكرة .. يتصايحون .. يتسابقون . تفشل عينك ، بعد تعب ، في إدراك منضدة ربما يشغلها رجل وحيد ، و ربما خلته ينظر في ساعته بقلق . ملامحه ـ حتما ـ سوف تشبه ملامحك ، كما أنفاسه في الحلم ، تختلط بأنفاسك . تغمض عينك .. يستحلب لسانك طعما مغايرا ، يزدرده حلقك .. يحبس روحك في حجرة مغلقة .. يكتنفها صمت مباغت ، ثم أحاديث متبادلة متقطعة .. تخترقها همهمات ، نظرات متنافرة ، و أنت تراقب ، ملتصقا بمؤخرة أمك ، مجذوبا كتف قميصك بيدها المتشنجة عليه .. تحاول إخفاء وجهك عن الملامح الجاذبة لودك ، الماثلة أمامها في وجه أبيك الصامت في ثورة ؛ فتحلّق عيناك لأعلى .. يخنقهما حنين محبوس ، في حين يستلقى في خيالك ظل كبير لملامحه ، مفتوح الصدر على عشب أسود ، كانت تتمرغ عليه أحاسيسك ، و يتسلقه جسمك الصغير ؛ ليحبو على خشونته الحانية .. تدغدغه ضحكات صافية ، ما زال صداها يرن في أذنيك ، و تناوشك بعبق أنفاس حلمك . تعود عيناك تصطدمان بمنضدة عريضة .. يتدلى على جوانبها مفرش أخضر .. يبتلع صدارتها ، رجل أشيب تتقافز من خلف نظارته ، نظرات مرهبة ، و تتدلى من خلفه ـ على الحائط ـ كفتا ميزان .. يشير لمن عن يمينه ، ثم يساره ، ثم يقلّب في أوراقه ، و ينقر المنضدة بقلمه ؛ فتفزع عيناك .. تعتصمان بحاجز تحسه ، و لا تراه ، بين كتلتك أنت و أمك ، و بين ملامحك الأخرى في جسد أكبر .. تصك أذنيك أصداء لأصوات زعيق طاغ ، نحيب ، عويل ، سباب متبادل ، أبواب تصفع ، و مغادرات بلا عودة ، بينما تغيم عيناك في ركن منزو يلبد فيه جسمك مرتعدا ، و توارى نظراتك ستارة قاتمة . تنسكب من وعيك المشاهد ، قبل كل مرة .. تتكرر فيها إشارات الرجل الأشيب ؛ لتعلن انسحاب ملامح حنينك الغاضبة ، في حال تحبك أمك من خلفها .. تضمك إلى بطن اسفنجى يمتص وجهك ؛ فتتوه في ظلمته ، و ألوانه المتداخلة ، و عبق رائحة ملابسها ، حتى تنصرف بك أخيرا ، و بورقة مطوية ؛ لتسكن ، أبدآ ، جوف شنطتها السوداء . بنصف وجهك الآخر ، و من فوق درجات المدخل الرخامية الخمس ، تلتقي عينك الأخرى ، منكسرة ، بعينيها ، قادمة نحوك .. تجر قدميها جرآ ..ثم تتجاوزك .. تسجل ـ ككل مرة ـ على طاولة الاستقبال بالمدخل ، حضورا واهنا .. تؤكد ، قبل ولوجها للداخل ، على تأشيرة غياب جديد لصاحب ملامحك الأكبر .. تأخذها على نفس الورقة المطوية بعناية ، ثم تلتفت إليك بنظرة آمرة ، و تسبقك ناحية ساحة الصخب .. تتركك لاندفاع من هم في مثل سنك .. يصطدم بظهرك أحدهم ، و هو يمرق متوهجا إلى الداخل ، بلباس لهوه ، و ربما كرته ، و أنت ما زلت متسمرا على حافة الباب ؛ فتلتفت في أثره مأخوذا بكامل وجهك .
(2) اشتهــــاء
تهرب من قذفات (شبشب) أمك ، الطائشة خلفك ، بعد سيل لعناتها من وراء ماكينة الخياطة (السنجر) القديمة ؛ فتقفز فوق الدولاب القديم المتهالك .. يتسع الفراغ فيما بين سقفه والسقف الناشع ، بالكاد لجسدك المقرفص .. يحاول ضبط اتزانه . تنقر رأسك دبدبات أقدام العيال فوق السطح المبلط ، وهم يتسابقون لاعتلاء خزان المياه الفارغ ، ويختبئون فيه ... تلاحقت منفضة المراتب (الخيرزان) التي في يد أختك الكبرى ، الملازمة للبيت ، والتي فرغت لتوها من نسج (البلوفر التريكو) الأسود ، وطارت وراءك بصراخها الحاد البغيض ، فتنكمش منزويا عند التقاء السقف بالحائطين المتعامدين .. تئز في أذنيك رنات ضحكات العيال ، وصراخهم ؛ فتنكمش أكثر ، ويتحول الصوت إلى فحيح يتسحب في جسدك بردا وخدرا ... تتسرب روحك عبر السقف .. تتجسد لهم .. تنبثق من أعينهم الضحكات .. ينزعون العصابة عن عيني أحدهم .. يحيطون بك .. يغمونك .. يتركونك ، تحتضن الهواء في تحركات يائسة لكنها منعشة ... تغيب أصواتهم ؛ فتخلع العصابة عن عينيك .. تبحث عنهم في مربعات السطح ، خلف جدران حجرة الغسيل ، وبين (غيّات) الحمام ، وفي جوف الخزان الفارغ ، حتى إذا نزلت منه ، يلوّح لك أحدهم عند باب السطح بمفتاح ، ويختفي مواربا الباب خلفه .. يرن صوت الضحكات .. تبتلعه السلالم .. يخف صداه .. تبحث عن مفتاحك في جيب بنطلونك القصير .. يحرقك البكاء .. تجري خلف آثار الضحكات المنسحقة .. تكر السلالم ـ التي كنت تحفظ عددها ، وتردده في كل ارتقاء ونزول ـ حتى الشارع العاج بالسيارات المارقة .. يجذب عينيك ومسامعك صوت صراخهم ، وهم يلعبون الكرة ، في الحديقة الواسعة على الجانب الآخر ... يصير لخطواتك أجنحة تحملك إليهم .. تتلاعب أقدامهم بعينيك .. تصير كالكرة التي بين أقدامهم ، حتى يفرغون ولا تشعر بتفرقهم ... تحملك أقدامك المرتعشة .. تصعد بك الدرجات التي هبطتها ، ولم تعد تذكر عددها ، حتى الدور الذي قبل السطح .. تتجه إلى يمينك .. تقف أمام باب الشقة التي عن يسارك ، وعينك اليمني على (المنور) الذي غاب نوره عن الطرقة بين الشقق ، وعينك اليسرى على الباب ، بينما تبحث يمناك في جيبك المقطوع عن المفتاح ، ويسراك تتحاشى الدق علي الباب ... تعبث في وجهك (شراشيب) عروسة أختك الصغرى ، القطنية ، التي تسللت معها إلي جوارك ، وهي تربت بيسراها على كتفك ، وبيدها الأخرى تمسح دموعك ، وتسحبك معها من أعلي الدولاب .
|