|
تأليف : محمد نجيب العمامي
في السطور التالية يتحدث الأستاذ محمد نجيب العمامي عن كتابه "في الوصف بين النّظريّة والنّصّ السّرديّ"، عارضا لما أدرج فيه من مادة رأى أن المكتبة العربية بحاجة لها من الناحية النظرية، وتناولها من حيث المنجز النقدي إدراكاً منه بأن النظريات وليدة بيئتها وثقافتها.
التّقديم المعنويّ:
هو كتاب يعرّف بجانب من جوانب النّظريّة الغربيّة في حقل السّرديات خصوصا والسّيميائيات عموما. وقد قصرنا النّظر فيه على الوصف في النّصّ السّرديّ القائم على التّخييل. وهو اختيار تبرّره جدّة المبحث النّسبيّة وقلّة الدّراسات العربيّة المواكبة لما جدّ في ميدان التّنظير للوصف.
وحتّم علينا ما اعتبرناه حاجة المكتبة العربيّة الاهتمام بمبحث الوصف من النّاحية النّظريّة ورأينا أن نتناول المنجز النّظريّ الغربيّ تناولا نقديّا إدراكا منّا أنّ النّظريات وليدة بيئتها وثقافتها وأنّها أدوات تعدّلها النّصوص الإبداعيّة وتطوّرها. فكان أن اخترنا التّثبّت من نجاعة هذا المنجز بالاعتماد على نصوص عربيّة سرديّة قديمة وحديثة. وحتّم علينا هذا الاختيار المضاعف التّنقّل باستمرار بين موقعين مختلفين، موقع أصحاب النّظريّة وموقع النّاظر إليها من زاوية نقديّة .
وقد أقمنا عملنا على تمهيد نظريّ وثلاثة أبواب. وحاولنا، في التّمهيد النّظريّ، التّعريف الموجز بالوصف في البلاغة والنّقد لدى العرب والغربيّين. وعرضنا لمنزلته في الدّراسات الغربيّة الحديثة والمعاصرة. ثمّ توسّعنا نسبيّا في تقديم أهمّ ما اطّلعنا عليه من الدّراسات العربيّة المعاصرة المتّصلة بالوصف تقديما نقديّا.
ولمّا كان كتابنا قائما على دراسة الوصف وتحديدا مقاطع الوصف في النّصّ السّرديّ خصّصنا الباب الأوّل لمسألة اندراج الوصف في السّرد. وأدرنا هذا الباب على محورين استقلّ كلّ منهما بفصل. ودرسنا في الفصل الأوّل "منازل الوصف وضوابطها" وفي الثّاني "أنماط الوصف".
ولقد رصدنا مواطن المقاطع الوصفيّة في نصوص عربيّة. فتبيّن لنا أنّها غالبا ما تحتلّ، في النّصوص القائمة على المحاكاة، منازل معلومة كالبداية والنّهاية. ثمّ اهتممنا بحدّي المقطع الوصفيّ، فبان لنا، شأننا في ذلك شأن من سبقنا من الدّارسين، أنّ المقطع في القصّ الواقعيّ خاصّة يُستهلّ بعبارات تعلن بدايته وبأخرى تنبئ بنهايته. وهي عبارات مرتبطة بمناسبات معيّنة لا تعدو أن تكون حيلا يلجأ إليها الرّواة لتخفيف حدّة التّوتّر بين الوصف والسّرد. وقد ذكرنا أغلب هذه المناسبات التي تتشابه من نصّ إلى آخر وربّما من حضارة إلى أخرى. ودعّمنا كلامنا بمقاطع وصف عربيّة حلّلنا بعضها.
واهتممنا في الفصل الثّاني بأنماط الوصف. وهي الوصف عن طريق القول والوصف عن طريق الفعل والوصف عن طريق الرّؤية. وقد فصّلنا القول فيها وبيّنّا، انطلاقا من النّظريّة، شروط الكفاءة التي يجب أن تتوفّر في الشّخصيّة المطيّة المستخدمة في كلّ نمط. واستشهدنا على وجاهة هذه الشّروط بمقاطع مندرجة في سرد قائم على المحاكاة. وأثبتنا مقاطع أخرى بيّنت فيها الممارسة أنّ هناك استثناءات وحالات لم تتفطّن إليها النّظريّة.
واستوقفنا ما يطرحه نمط "وصف الأفعال" من مشاكل. واستعرضنا بعض الآراء بشأنه وما قدّمه جان ميشال آدام من معايير للتّمييز بينه وبين سرد الأفعال. وبيّنّا أنّ هذه المعايير تطرح من المشاكل أكثر ممّا تحلّ. فاقترحنا أخرى رأيناها كفيلة بالمساهمة في حلّ الإشكال.
ولمّا كان الوصف عن طريق الرّؤية هو الغالب في نصوص السّرد فقد تبسّطنا في توضيح الحالات النّموذجيّة وما يمثّل استثناءات لم تعرض لها النّظريّة. فنظرنا أوّلا في "الرّائي شخصيّة" ثابتا في المكان ومتنقّلا. وبيّنّا استتباعات كلّ حالة سواء وردت في النّظريّة أو لم ترد. وناقشنا القائلين بأنّ الوصف المبأَّر يعطّل السّرد ويوقفه. ثمّ نظرنا في الحالات التي يلتبس فيها الرّائي وأدرجناها في ما أسميناه "التّنازع بين الرّاوي والشّخصيّة". واعتمدنا في توضيحه على مقاطع عربيّة حلّلنا مظاهر التّنازع فيها وعلّلناها.
وبعد أن نظرنا في الوضع النّصّيّ للوصف خصّصنا الباب الثّاني للنّظر في بنية الوصف والعمليّات النّصّيّة الموّلدة له. واستهللنا الباب بالموصوفات، موضوع البنية. ثمّ تناولنا في الفصل الأوّل "بنية المقطع الوصفيّ" وفي الفصل الثّاني "اتّساق1 المقطع الوصفيّ وتماسكه2 ". والحديث عن بنية للوصف من ثمرات النّظرة الجديدة إلى هذا المكوّن السّرديّ. وهي نظرة حوّلت مركز الاهتمام من المرجع إلى اشتغال الوصف الدّاخليّ. واستنبطت له، رغم تعدّد ممارساته واختلافها، بنية تتشكّل في مظهرين أوّلهما "البنية الأساسيّة" وثانيهما "البنية المقطعيّة".
وتوسّعنا في التّعريف بالعمليّات النّصّيّة الأساسيّة المولّدة لمقاطع الوصف والمبيّنة لطرائق إنتاجه. وبيّنّا العلاقات بين هذه العمليّات الفنّيّة ومقاصد التّواصل.
ولمزيد توضيح العمليّات الوصفيّة اخترنا ثلاثة مقاطع مختلفة ورسمنا الشّجرة المناسبة لكلّ منها فبانت بنية الوصف التّشجيرية وبرزت خاصّياته الأساسيّة وتجلّى، في الآن ذاته، تعقّد الممارسة الوصفيّة في وحدات نصّيّة يستبدّ بها الوصف أو يهيمن عليها هي ما اصطُلح على تسميته بالمقاطع الوصفيّة.
وفي الفصل الثّاني ركّزنا النّظر على البنية الفوقيّة للمقطع الوصفيّ فحدّدنا المقطع ومثّلنا لبنيته الفوقيّة بشجرة وضّحنا ما جاء فيها. ثمّ اهتممنا بما لا تبيّنه الشّجرة وخاصّة اتّساق المقطع الوصفيّ وتماسكه. ورغم ما بين المفهومين من تداخل فقد سعينا إلى تمييز أحدهما من الآخر. وعدّدنا بعض عوامل اتّساق المقطع الوصفيّ المتواترة وذكرنا من الأنماط التّنظيميّة غير الشّائعة في السّرد تكرارَ صوت من الأصوات. وحلّلنا مقطعا لإدوار الخرّاط بيّنّا بفضله أهمّيّة تكرار الصّوت في توفير اتّساق المقطع.
وتناولنا، من زاوية الاتّساق، ما قد يكون حالة خاصّة من الوصف. ونعني وصف الإنسان المعتبَر لدى الغربيّين جنسا وصفيّا مستقلاّ. وانطلقنا من مقاطع عربيّة ناقشنا في ضوئها النّظريّة وانتهينا إلى أنّ ما قد يميّز وصف الإنسان من غيره هو غياب بعض الواسمات (Marqueurs) وإلى أنّ أهمّيّة هذا الوصف لا تُعزى إلى خصائص بنائيّة وإنّما تُردّ إلى دور الشّخصيّة البشريّة في السّرد وخاصّة في بعض مذاهب الكتابة.
وبيّنّا أنّ عوامل الاتّساق ضروريّة جدّا في بعض مذاهب الكتابة السّردية. ولكنّها غير كافية ليكون المقطع متماسكا من النّاحية الدّلاليّة. ورغم أنّ التّماسك مفهوم عسير الحدّ إن لم يكن مستحيله فقد سعينا مستنيرين بالنّظريّة إلى التّعرّف إلى ما ينشئ تماسك خطاب ما. وحاولنا توضيح مفهوم التّماسك انطلاقا من مقاطع وصف عربيّة. وكشفت لنا ممارسة النّصوص الوصفيّة أنّ التّماسك لا يعدّ شرطا من شروط الكتابة إلاّ في مقاطع الوصف القائم على المحاكاة. فثمّة مذاهب في الكتابة يكون فيها التّناقض متعمّدا والإخلال ببعض شروط التّماسك مقصودا.
ولمّا كان بناء المقطع الوصفيّ يشترط استحضار الموصوف له استحضارا تدلّ عليه علامات نصّيّة يمكن رصدها بيسر خصّصنا الباب الثّالث والأخير لدراسة المقاصد من الوصف أو وظائفه في النّصّ السّرديّ.
ويشمل هذا الباب، كسابقيْه، تمهيدا وفصلين. وقد انطلقنا في التّمهيد من تأكيد وعي المنظّرين المعاصرين الأوائل وعيا متفاوتا بأهميّة وظائف الوصف. ولفت انتباهنا عملان أنجزهما منظّران في السّنوات الأخيرة حاولا، انطلاقا ممّا توصّل إليه السّابقون، تطوير مبحث الوظائف. فاستعرضنا أهمّ الوظائف التي استنبطاها ممّا درساه من نصوص ثمّ قوّمنا محاولتيهما.
واخترنا ما اعتبرناه وظائف متواترة في ما اطّلعنا عليه من نصوص سرديّة عربيّة. ووزّعنا هذه الوظائف على فصلين انفرد أحدهما بالوظائف الحكائيّة واستبدّ ثانيهما بالوظائف الدّلاليّة. وأدرجنا في الصّنف الأوّل الوظائف التّعليميّة (أو الإخباريّة) والتّمثيليّة والسّرديّة. وجمّعنا في الصّنف الثّاني الوظائف الإشاريّة والرّمزيّة والتّعبيريّة والإيديولوجيّة والجماليّة والإبداعيّة. وقد عدّدنا الشّواهد السّرديّة على كلّ هذه الوظائف ووضّحنا ما بين بعضها من فوارق قد لا يُتفطّن إليها بيسر. واستنتجنا أنّ للعلاقة بين الوصف والسّرد الواقعيّين وجهين: وجه التّغاير في مستوى الخطاب ووجه التّكامل في مستوى الوظائف والبناء الدّلاليّ للنّصّ السّرديّ.
لقد مكّننا هذا العمل من الوقوف على ما تحقّق من تقدّم في ميدان دراسة الوصف. وأتاحت لنا محاورته بالنّصوص السّرديّة العربيّة القديمة والحديثة استكشاف ما اتّسمت به النّظريّة أحيانا من تعميم مضلّ. فما عدّه هامون، على سبيل المثال، من قواعد الوصف وسننه وما اقترحه من تعريف للمقطع لا ينطبقان على كلّ أنماط الكتابة السّرديّة. وسمحت لنا هذه المحاورة بتبيّن نسبيّة النّتائج التي توصّلت إليها النّظريّة بصدد وصف الأفعال والمقطع الوصفيّ والبنية الفوقيّة أو المقطعيّة. ومكّنتنا من الإلحاح على بعض المسائل التي تنل، في النّظريّة، حظّها من الدّرس من قبيل مسألتي تنازع الرّؤية واتّساق المقطع الوصفيّ وتماسكه.
وبما أنّ النّظريّة اهتمّت بالأدب وبغير الأدب فقد رأينا أنّ من أوكد المهامّ المطروحة على المهتمّين بالسّرديات إنجاز نظريّة خاصّة بالوصف في النّصّ السّرديّ بجميع مدارسه وتيّاراته تكون قادرة على الإجابة عن بعض المسائل العالقة وعلى تعميق النّظر في أسلوب الوصف ووظائفه وبعده التّداوليّ الذي اكتفى بعض المنظّرين بملامسته.
لقد اعتمدنا في هذا العمل مراجع متنوّعة استخدمنا بعضها في إعداد بحثنا "الوصف في رواية "ترابها زعفران" لإدوار الخرّاط". أمّا بعضها الآخر فهو على ضربين: مراجع نشرت قبل إنجاز بحثنا الأول ولكنّنا لم نتمكّن من الاطّلاع عليها آنذاك ومراجع حُرّرت بعد إنجازه. وبعض هذه المراجع لا يزال مخطوطا.
وقد عدنا إلى مراجع المنجز النّظريّ الغربيّ في لغتها. واستخدمنا منها ما بدا لنا متماشيا ومشروعنا. وحاولنا التّغلّب على مشكلة المصطلحات. فتجنّبنا، قدر الإمكان، ما كان منها عويصا وخاصّا بمنظّر واحد. واستخدمنا ما شاع منها في دراسات العرب الذين سبقونا سواء في مجال النّقد الأدبيّ أو في ميدان الدّراسات اللّسانيّة. واجتهدنا في إيجاد المقابل العربيّ لما كنّا مضطرّين إلى استخدامه من مصطلحات جديدة. وحرصا منّا على ضمان أقصى درجات التّواصل مع القارئ أثبتنا المقابل الفرنسيّ كلّما تعلّق الأمر بمصطلح توقّعنا أنّ مقابله العربيّ قد يطرح إشكالا.
لقد حاولنا في هذا الكتاب جمع شتات المنجز النّظريّ الغربيّ وسعينا إلى التّعريف بالنّظريّة الغربيّة والتّثبّت، في الوقت نفسه، من إجرائيّتها اعتمادا على نصوص سرد عربيّة. فأمكن لنا الوقوف على بعض الثّغرات في النّظريّة ولفت النّظر إلى ثراء الممارسة الوصفيّة لدى قدامى العرب ومحدثيهم.
ــــــــــــــــــ
Cohésion _ 1
2 _ Cohérence
|