|
علي خميس الفردان / البحرين
رحمك الله يا علي ، لقد كنت رفيق عمري، كلما رآني والدك ضمني إلى صدره ورفعني عاليا يداعبني قائلاً : أنت وعلي حبيباي يا عُمَر ، كانت كلماته تسري في قلبي سريان الماء البارد في أحشاء استبد بها الظمأ.
لم يحظَ أحد من أقاربي بخصيصة من نفسي مثل ما حظي علي، كان لا يفارقني، يحبني ويظهر مودته لي في كل مناسبة، كيف أنساه وقد أديت معه أول ركوع وسجود لله.
لم أعاني معه من فقد الإخوة حتى والده كان لي الوالد الحنون فلم اشعر في ظله بوطأة اليتم.
كان علي يحرص على تقبيل والدتي بين عينيها.. قد أنسى مرة وهو لا ينسى، حتى صارت تناديه ب"الغالي"، لا ترضى بأن يناله سوء ، وترفع له أحسن الطعام والشراب، لا تنام حتى تطمئن عليه.
هكذا كان علي بالنسبة لي كظلي يماشيني في كل سني دراستي ويحفظني ، ولم أتصور يوماً أن تلمّ بي مَلمّة وليس معي علي. كان ذكيا متفوقا في الرياضيات والعلوم، بل كان مرجعي فيهما. كبرنا وفرّقنا البحث عن لقمة العيش وصارت صلتنا الوحيدة المهاتفات التي نجريها كلما مرّت مناسبة أو عيد.
اليوم.. فقدت علياً.!
فقدته وهو يدافع عن قبلة المسلمين الأولى ومسرى الرسول ، لقد قدمني على نفسه، كما كان يفعل في طفولتنا .
الوطن والمبدأ والكرامة لديه فوق كل الاعتبارات أولويات لا يجوز المساس بأي منها .. ما أن حاصر المحتلون غزة ، حتى تفاجأت بحضورة ، وفي يده لفافة .. فتحت الباب فأشار إليّ بما يفيد أن لديه أمراً مهما.. أجلسني وقال: وضعت خطة للإيقاع بالصهاينة ، سأحرقهم بالنار وأحطم رؤوسهم بالصخر... لقد سخّرت علمي وخبرتي وأحطت المجاهدين بما أنويه فهالتهم الخطة ، والليلة سننفذها وعند الفجر ستسمع نباح الكلاب واستغاثاتهم عندما تحطم الصخور رؤسهم وتشوي النيران جلودهم... شرح الخطة بتفاصيلها وكلفني بتشكيل فريق من زملاء الدراسة الذين يثق بهم ممن لم ينلوا شرف الاستشهاد بعد وتعريفهم بمهماتهم، وهكذا كان ..
غبق الظلام وبدأنا في جلب الصخور وحفر الحفر وقام علي بتوصيل الأسلاك وتركيب الأجهزة القادحة، كان العمل يتم بأسرع مما كنا نتوقع فالغيرة على الأرض والعرض والمبدأ كان يجعل الواحد منا يعمل بأضعاف أضعاف جهده ويتحمل ما لا يتحمله عشرة رجال مجتمعين في ساعات الدعة والسلم.
ما أوشكت الثانية عشرة ليلاً أن تحين حتى كان هناك أربعون حفرة عمق الواحدة منها ثلاثة أمتار تقريباً وقطرها متران ونصف غطيناها بأغصان الزيتون. وقد تدلى من فوق شجرة الزيتون المحاذية لكل حفرة صخرة لا يقل وزنها عن خمسة عشركيلوا، يحملها لوح يسمح عند تعرقل الجندي بالحبل المربوط بين شجرتي الزيتون بانزلاقها وسقوطها في منتصف الحفرة لتصيب الهدف تماما. فيما تم توصيل بكرة في منتصف الحفرة ملتصقة بقادح بارودي ، ما أن يتحرك الحبل وتنزلق الصخرة حتى تدور البكرة دورانا سريعاً مولدة مع القادح شرارة نارية تشعل الزيت المصبوب في وسط الحفرة. فيكون مصير الجندي الذي يقع فيها تحطيم رأسه بالصخرة التي تداهمه من ارتفاع يبلغ ثلاثة أمتار ثم يحترق بالزيت المشتغل داخل الحفرة، فيقتل شر قتله.
ما أن انتهينا حتى استوينا فريقين ، فريق يرابط على التلال المحيطة بالبلدة ليراقب الوضع ويعطي الإشارة المتفق عليها عند اقتراب مشاة الصهاينة ، وأنا وعلي تكون مهمتنا الإختباء بين اشجار الزيتون على بعد خمسمائة متر لإثارة فرقعة صوتية تجعل الصهاينة الرابضين على بعد خمسة كيلومترات من الموقع يتجهون باتجاه هذا الصوت تمشيطا للمزارع ، فنقوم والمجاهدين بالإجهاز على من لم يقع في مصيدتنا.
فجرنا ثلاث عبوات صوتية بددت ذلك السكون ، ثم أطبق بعد ذلك هدوء مشوب بالحذر الشديد والترقب، كنا نهمس لبعضنا بأنفاسنا.. كانت الدقائق تمر ثقالاً ، والقلق فينا يتزايد.. كان عليٌ يهمس في أذني بأدعية مأثورة ويتلو آيات من القرآن الكريم ، كان قد أوصى أن أضع نسخة منه في جيبي. ليكون آخر ما يلامس أجسادنا وقلوبنا عندما نرزق بالشهادة.
في قرابة الساعة الثالثة من ذلك الصباح المنتظر ، تلقينا إشارة من فريق الحراسة بتحرك الصهاينة نحو الطعم. بعد ساعة تقريبا سمعنا أول صرخة من صهيوني تعثر بأحد أشراكنا لتلتهمه النيران في حفرة من حفر جهنم. تبادلنا البِشَرْ وصرنا على أهبة الاستعداد ونحن نتابع الحفر تشتعل الواحدة تلو الأخرى. فقد دبَّ هلع شديد واضطراب في صفوف المحتلين أضعف معنوياتهم ، إذ أدركوا أنهم وقعوا في كمين محكم. فكلما اشتعلت حفرة تعالى صراخهم، صاروا يطلقون النار على غير هدى في اتجاه بعضهم فيقع الواحد تلو الآخر إما بنيرانهم أو في مصايدنا.
هنيهة وإذا بالمجاهدين يرشقون المحتلين بوابل من نيران بنادقهم ومدافعهم الرشاشة. فارتدت نيرانهم نحونا، حاولنا التخفي في ذلك الظلام الدامس فتعثرت بغصن شائك فأحدثت جلبة ، فأصيب علي في بطنه وعندما حاولت إنقاذه أبى وأقسم علي أن أنجو بنفسي واتركه حتى لا أصاب فتكون الخسارة مضاعفة . فالأعداء على بعد أمتار منا لا يحجبهم عنا سوى الظلام الذي مزقته العيارات النارية وصراخ المصابين. تحت إلحاح خوفه عليَّ ومع اقتراب خطوات الأعداء لم أجد بداُ من تنفيذ أمره وقلبي يتمزق عليه حسرة ، تمكنت من اللحاق بأصحابي . فيما فر من تبقى من الصهاينة مهزومين شر هزيمة تحت وابل نيران المجاهدين وبسالة ، مخلفين وراءهم تسعة قتلى وثلاثين جندياً محروقا في الحفر النارية. فيما شيعت القرية ثلاثة مجاهدين بينهم أخي وحبيبي علي رحمة الله عليه. علقت أمي صورة علي في كل ركن من أركان البيت ، وقالت لي: يا عمر ، أوصيك بالتمسك بعلي حياً وميتاً.
|