يرجى من جميع الكتاب والباحثين وأهل القلم ممن يرغبون نشر نتاجهم في المجلة أن يأخذوا بالاعتبار أن تكون المادة تنشر للمرة الأولى.. وشكرا
[ الآراء والمواقف المتضمنة لا تعبّر بالضرورة عن رأي المجلة ]



أراء خاصة

 استقراء الغيب وكشف المستقبل 

محمد علي محيي الدين

رغم ثورة المعلومات،والتطور الحاصل في المجالات العلمية المختلفة، نلاحظ أن الأفكار والممارسات الغيبية ، لا زالت راسخة في الأذهان ،ويمارسها الناس على نطاق واسع، ولا زلنا نرى في نهاية كل عام عبر المحطات الفضائية المختلفة البرامج التي تعنى باستقراء الغيب وكشف المخبئات، وتستعين بالمنجمين والفلكيين لأستكناه آفاق المستقبل، وما سوف يحدث في القادم من الأيام، وسواء أكان ذلك عن اعتقاد وإيمان راسخ، أو لمجرد أرضاء المشاهدين ، من أجل الإثارة والتشويق، فأنه يدل بلا شك على حضور لهذه الأشياء في ذاكرة المتلقي، رغم تغير الضروف والأحوال، فالعلم الحديث وقف عاجزا حيال الكثير من الخوارق والمعجزات، التي لا يستطيع تفسيرها وتبريرها وفق المنظور العلمي، ولا يستطيع إنكارها ، فلا زال في الكون الكثير مما وقف العلم حياله، دون نقض أو أبرام، لذلك فأن (جدتي) لا تختلف في تفكيرها عن تفكير من عاش في القرن الواحد والعشرين، حيال هذه الأمور.

  واستقراء الغيب بالطرق المختلفة، ظاهرة موغلة بالقدم، لجأ إليها الإنسان وأتخذها وسيلة للقيام بالأعمال المختلفة، أو الإحجام عنها، واتكأ عليها في تبرير خيبته في مناحي الحياة، والتاريخ القديم يورد لنا الكثير من القصص، ويروي العديد من الأساطير، عن ملوك وأمراء وقادة وعظماء، اتخذوا (الخيرة) والتنجيم و تخت الرمل وغيرها وسيلة للأقدام على أنجاز الكثير من مشاريعهم وأعمالهم وحروبهم، وكانت هذه الطرق لها القول القاطع في الكثير من المنعطفات التاريخية الخطيرة التي غيرت مجرى التاريخ، لذلك نرى العرافين والمنجمين يكثرون في حاشيات الملوك والأمراء، وكلّما كان المُلك عظيماً كثر حوله العرافون ومستطلعو الغيب، ومن يحسبون النجوم، أو يعدون الطوالع، ويتقاضون الرواتب المجزية، وينالون الأموال الطائلة جراء هذه الأعمال. والسير والحكايات الشعبية وكتب التاريخ تزخر بالكثير من الأمثلة التي لو أردنا مجرد الإشارة إليها لاحتجنا لتأليف كتاب كبير.

  ولم يكن العرب بدعا عن الشعوب الأخرى في ذلك، فتاريخ معظم الشعوب حافل بالكثير الكثير من الشواهد على احتفالهم بالمنجمين واهتمامهم بالعرافين، والكثير من الأباطرة كانوا يستهدون بما يقوله هؤلاء ، ويحدثنا التاريخ أن نابليون الفاتح الذي خاض الكثير من المعارك، واستولى على العديد من البلدان،كان يستعين بهؤلاء العرافين، لمعرفة ما تخبئه الأقدار، وقيل أن عرافة تنبأت له بانتصاراته وهزائمه، فكان واثقا من الخسارة في معركة (واترلو) رغم إمعانه في خوض غمرات تلك المعركة العظيمة، وقيل أنه كان يستعين بكتاب التنبوآت الذي تنبأ بما سيكون عليه العالم في القادم من السنين والأعوام. ومن النوادر الذائعة لديهم "قيل ان رجلا هولنديا ترك على المائدة كيس نقود وأنجيل وزجاجة خمر، وأخذ يرقب تصرفات ولده الذي أوفى على الخامسة عشرة، وان الرجل قال في نفسه، إذا أخذ المال فسيكون رجل أعمال، وإن أخذا لأنجيل فسيكون رجل دين، وإن أخذ زجاجة الخمر فسيكون سكيرا، لكن الصبي دخل الحجرة، فوضع الكيس في جيبه ، وجلس فوق الإنجيل، وأحتسى شيئا من زجاجة الخمر، فقال الرجل"يا الاهي سيصبح رجل سياسة"( گراب/علم الفولكلور341)

   الشرقيون أكثر اعتمادا من الغربيين على الأمور الغيبية في حياتهم، العامة والخاصة، وأولوا هذا الجانب أهمية كبيرة، فأخذ التنجيم مكانه الرفيع بين العلوم العربية الإسلامية، وآمن به الكثيرون، واعتقدوه في مسيرة الحياة الدائبة، رغم أن الإسلام أبطل تلك الممارسات ، وهزىء بها وأنكر جديتها، ونلاحظ أن بعض الشعراء سخروا منها، وأجمعوا على بطلانها، ومنهم أبو تمام في رائعته المعروفة :

السيف أصدق أنباء مـــن الكتب       فـــــي حده الحد بين الجد واللعب

بيض الصفائح لا سود الصفائــح في       متـونهـن جـلاء الشـك والـريـب

والعلم في شهب الأ رماح  رائعــة        بيـن الخميسيـن لا في السبعـة الشهب

أين الرواية بل أين النجوم ومـــا         صاغوه من زخرف فيهـا ومـن كذب

تخرصا وأحاديثا ملفقــــــة         ليست بنبـع إذا عـدت ولا غــرب

عجائبا زعموا الأيام مجفلــــة         عنهـن في صفـر الأ صفـار أو رجب

وخوفوا الناس من دهياء مظلمـة          إذا بدا الكوكب الغربي ذو الذنـــب

وقد كان العرب يمارسون الكهانة والسحر والعرافة، ويعتمدون عليها في معرفة الغيب واستجلاء المخبئات وما يمكن حدوثه، وحفظ لنا التاريخ الكثير من أسماءهم وحكاياتهم وأعمالهم، وطرقهم في استجلاء الغيب، وجاء في أشعارهم:

فقلت لعراف اليمامة داوني     فأنك إن داويتني لطبيب

وقول الآخر:

جعلت لعراف اليمامة حكمة    وعراف نجد إن هما شفياني

*الاستخارة : أعتمد عليها جميع الناس ، ملوك وأفراد، وتوسلوا من خلالها استطلاع ما يخبئه القدر، وتوسموا فيها النصح والمشورة، ورفع المعنويات للقيام بأعمالهم المختلفة، لذلك أصبح جل اعتمادهم عليها، وصارت وسيلتهم للقيام بما ينوون عمله، فالتاجر إذا أراد شراء بضاعة لخزنها وبيعها عند ارتفاع ثمنها، يذهب لمن يتوسم فيه المعرفة في أخذ(الخيرة) ويطلب منه الاستخارة، وينوي في داخله، فإذا قال(زينه) أي جيدة، أقدم على شراء البضاعة، وإذا كان العكس (مو زينه) أحجم عن شرائها ، وقد تشاء المصادفة في تحقق ما قاله المستخار، فيخال له أن ذلك الرجل عارف ببواطن الأمور، عالم بما يخبئه الغيب، وقد يكون العكس فيعزوا ذلك إلى المصادفة، أو يذيع على الملأ كذبه وعدم معرفته في استطلاع الغيب.

  ولكن الكثيرين يصرون على أن الخيرة مجربة، وقد لمسوا ذلك في الكثير من الأمور، وأصبح جل اعتمادهم عليها، حتى بلغ بهم الأمر الاستخارة في التافه من الأمور، والدافع للاستخارة هو الطبيعة القلقة للإنسان، والضعف في مواجهة المجهول، وقد أفلس الكثير من التجار بسبب اعتمادهم الكلي عليها، و على سبيل المثال أعرف أحدهم وهو شيخ طاعن في السن ، شاهدته وقد تجاوز العقد الثامن،كانت له مكانة مرموقة وسط التجار، ولكنه أفلس وأصبح خالي الوفاض بسبب الخيرة، ففي سنة 1932 التي أطلق عليها في التاريخ الشعبي(سنة التموين)، حيث ألزمت الحكومة العراقية، التجار بعدم بيع وشراء المواد إلا بموجب الدفاتر التموينية، ـ وهي أشبه بالبطاقة التموينية الحالية ، إلا أنها جعلت بشكل دفتر. وقد قام هذا التاجر بجلب بضاعة بمبلغ كبير عن طريق التهريب(القچق) وكانت البضاعة في سفينة، فشاهد زورق للشرطة، فأخذ الخيرة هل يعطي الرشوة للشرطة، أم يرمي بضاعته في النهر، فكانت الخيرة رميها في الماء، ورماها فعلا وكانت من المواد الغذائية سريعة التلف، وعاد خالي الوفاض، وقد أفلس إفلاسا تاما، وأثقل كاهله بالديون، ولو لم يلجأ إلى الخيرة لأعطى للشرطة (المقسوم) ونجا ببضاعته ولم يفقد أمواله.

وهناك طرق كثيرة للاستخارة ، أختص البعض بممارستها، وأخرى يمارسها الناس دون الاستعانة بوسيط، وتمارس في البيع والشراء والسفر والزواج والأعمال الأخرى التي  تستدعي الاستخارة، ومن الجدير بالذكر أن المحترفين لهذا العمل يتقاضون مبالغ من المال تتفاوت في قيمتها حسب نوعية العمل المطلوب، وتصل في أحايين إلى مبالغ طائلة تثقل كاهل الإنسان، خصوصا في بعض الحالات التي تتطلب القيام بأعمال سحرية، أو وصفات لطرد الجن، وأبطال السحر.

ملاحظة:

حذف القسم الأخير من هذا المقال بما يتوافق وتوجهات المجلة،

بعيداً عن لغة الخصوصية أو التعرص لمعتقدات معينة،

لأن ما يهمنا الإضاءة في المبدأ على أي موروث ثقافي ومناقشته

سلباً أو إيجاباً من خلال أثره على سلوكنا أو من خلال إرهاصاته النفسية وتأثيره عليها،

لأنه في اعتقادنا أن لكل مجموعة ثقافية مبررات قناعاتها،

بعيداً عن تأييدنا لهذا أو عدم موافقتنا له.

أدارة التحرير


      مجلة دليل الكتاب :
  • الصفحة الرئيسية
  • لإرسال المقالات أو التعليقات

      أقسام المجلة :
  • قراءة في كتاب
  • قراءة في ديوان
  • قراءات مختارة
  • قراءات نقدية
  • ثقافة وآداب
  • أبحاث ودراسات
  • أشعار وقصائد
  • مؤتمرات ومهرجانات
  • معارض
  • مقابلات
  • تحقيقات
  • مواضيع المجلة
  • أراء خاصة
  • قصة قصيرة
  • أخبار ومتابعات
  • ما يكتبه القراء
  • سيرة ذاتية

      الجديد :



 تهافت منطق "التأويل العلمي" عند الدكتور زغلول النجار وآخرين!

 شكوى الحروف

 قلْ .. ولو كفراً

 رقَّ القلب

 أيها النقاد.. أنتم أمناء ولستم مسترزقين.!؟

 الروائية اللبنانية هدى بركات وثقافة الحرب

 أمسية شعرية فـي (شارع الوكلات)

 المسرح العُماني وبذور الإبداع

 قراءة في رواية

 ما نعرفه نصف الحقيقة وما نخشاه نصفها الآخر


      البحث في الموقع :







      مقالات عشوائية :



 أحمد عمر: البيئة الكردية مخزناً للحكايا

 جنوبيون*

 الموت والمنفى مرة أخرى ...

 جُرحُ الأُمَّة

 كثرت الجريمة حين تخلت المرأة عن دورها كأم - مقابلة مع الكاتبة معصومة عبد الرضا

 معارض الكتب مهرجانات ثقافية بامتياز

 الفلسطينيون

 "مدين لقاتلتي بالحياة" لسعيد التاشفيني

 الآلهة الصّغيرة تحتاج لمزيد من الضوء كي تعلن ألواح الحقيقة !!

 في الصحافة العصرية لا تكفي الموهبة..!


      وأيضا :
  • موقع دليل الكتاب
  • الصفحة الرئيسية
  • أرشيف الموقع
  • أضف الموقع للمفضلة
  • إجعل الموقع رئيسية المتصفح

      العنوان :


دليل الكتاب
الوسيط الثقافي بين القارئ والناشر

الناشر

ديوان الكتاب للثقافة والنشر

المدير المسؤول : خالد الغُربي
مدير التحرير : علي دهيني

طريق المطار - خلف مبنى الضمان الإجتماعي - بناية جابر - ط1
هاتف وفاكس : 01451552
ص.ب : 1001/85 - 2010
info@dalilmag.net


Designed , Hosted  &  Programmed by : King 4 Host . Net