|
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
عزّة القصابي / مسقط

قبل التحدّث عن واقع المسرح العماني عند الاحتفال بيوم المسرح العالمي، فإنه لابدّ من الإشارة إلى أن سلطنة عُمان تتميّز بالتنوع الجغرافي والتاريخي الذي يجمع بين الأصالة والمعاصرة، حيث يمتزج التراث والفلكلور الشعبي مع مظاهر النهضة الحديثة.. وجميع تلك التجليات جعلت النّسق الثقافي يتّسم فيها بخصوصية منفردة ، منبثقة من العديد من العوامل، منها التبايُن الجغرافي والثقافي بين الشمال والجنوب: الشمال حيث الطبيعة الجبلية والقِلاع والحصُون، والجنوب حيث المناخ المحمّل برذاذ الصيف الخريفي الذي يفوح برائحة اللبان والبخور ...كل هذا ساعد على إيجاد ائتلاف جمالي وروحي، تناغمَ مع طبيعة الإنسان العُماني الذي اتسمت روحه بالطِّيبة والبساطة في آن واحد .
ولما كان المسرح هو وسيلة للتعبير عن الإنسان، وقضاياه العديدة التي تبحث وتطرح واقعه بجرأة وعفوية، فإن العُماني تفاعل مع المسرح قبل سبعينيات القرن الماضي، عندما كان مجرد شكل فني تعليمي المضمون..وعقب الطفرة النفطية الحديثة، تفاعل المسرح مع الكيانات الاجتماعية من خلال الأندية ومسرح الشباب التي امتزجت فيها روح الفنان المبدع مع قضايا المجتمع .
واليوم، اتسع نطاق المسرح العُماني ليشمل العديد من المؤسسات التعليمية التي يدخل ضمن نطاقها مديريات وزارة التربية والتعليم ومؤسسات التعليم العالي. وهناك مسارح الشباب والفرق الأهلية التابعة لوزارة التراث والثقافة. بالإضاِفة إلى انبلاج العديد من المواسم الثقافية التي تفتح ذراعيها للفنانين لتقديم العروض المسرحية، وغالباً ما تستقطب تلك الفعاليات تجارب الفرق الأهلية للمسارح، بغية إثراء الحراك الفني وإيجاد قاعدة جماهيرية واسعة له.
التحديات التي تواجه المسرح
ولما كان المسرح يضج بالعديد من القضايا، كان لا بُدّ أن تعتريه بعض التحديات، والتي غالباً ما ترافق المهمومين بالوجع المسرحي في أيِّ زمانٍ ومكان.. والمسرح كحالة ثقافية في عُمان، موجود ومستمر في العطاء، إلاّ أنه كَفَنٍ احترافيّ مكبّل بالعديد من القيود التي تقف عقبة دون المضي قدماً.. ومن هذه التحديات، ما يتعلق بتطوير أدوات الفنان على مستوى الأداء التمثيلي و المعرفي، برغم أهمية هذين المستويين لدى العاملين في القطاعات الفنية، إلاّ أنهما يكادان يختفيان إلاّ ما ندر !... وقد تكون أسباب ذلك التراجع، نتيجة اصطدام الفنان بواقعه واختفاء البُعد التراكمي لديه، مما يجعله غير قادرٍ على تطوير فنون الأداء التمثيلي عنده، نتيجة ندرة حلقات التمثيل المحلية ذات الطابع الاحترافي، أو ربما لمحدودية قدراته الإبداعية.
فضلا عن ذلك، هناك مجموعة من التحديات التي يمكن أن تواجه المشتغلين في الحقل المسرحي، من أهمها:
· اختفاء الدُّور المسرحية، بالرغم من تدشين الكثير من المؤسسات التعليمية للمسارح في مبانيها، إلاّ أنها ما زالت تفتقد إلى وجود المسرح الذي يمكن أن تتوافر فيه جميع الإمكانيات كمسرح احترافي، في حين ما نجده في أرض الواقع مجرد مسارح صغيرة لا تصلح سوى لتقديم الحفلات والعروض الطلابية وإقامة المؤتمرات السنوية .
· نُدرة وجود الفنان المتفرغ للعمل الفني، حيث أن الذين يعملون في مجالات الفنون هم من الهواة العاملين في القطاعات الإعلامية والثقافية، والذين بحكم عملهم، يكونون أكثر اتصالاًُ بالمناخ الثقافي والفني على حدٍ سواء... بالإضافة إلى ذلك، فإن هناك شريحة كبيرة من الفنانين العُمانيين الذين يعملون في القطاعات الحكومية التي ليس لها صلة بالإنتاج الفني، وهذا يعني بأن التواصل مع الشارع الفني يتطلب من أولئك الفنانين جهوداً مضاعفة!.. وهذا يجعل الفنان مشتتاً بين عمله الذي يشكل مصدر دخل ثابت له، وبين رغبته في التواصل مع الحدث الفني الموسمي العابر؟! ...وبذلك يكون الفنان مُطالب بالتضحية والتعاطي مع الواقع ...وربما هذه الحالة كان يمكن أن تُحل ولو جزئياً، في حالة وجود نقابة للفنانين العُمانيين، والتي يمكن أن تحفظ للفنان حقوقه، وتسعى إلى توفير دخل ثابت له، مما يجعله قادراً على التعاطي مع فنه ..شريطة أن يفتح باب الانتساب في هذه النقابة لجميع الفنانين المبدعين، مع الأخذ في الاعتبار ضرورة الابتعاد عن الشللية والتعصب واستبعاد الآخر من أجل المصالح الذاتية !
· تراجع المهرجانات والملتقيات المسرحية ، فوجود مثل هذه الفعاليات يسهم في إيجاد مناخ صحي يضمن تقديم "فرجة مسرحية"، يمكن أن تستقطب العروض المسرحية الجديدة المحلية ..بالإضافة إلى إمكانية استضافة عروض موازية من الدول العربية والخليجية.
وهناك تحد آخر، يتعلق بضعف العنصر المادي لدى الفرق الأهلية للمسارح، والذي يبدو أنه غاب عن بال المعنيين بالشأن المسرحي عند الشروع في وضع لائحة الفرق الأهلية للمسارح. بالإضافة إلى ذلك، تعاني هذه الفرق من عزوف المختصين في مجال المسرح وبعض الرواد، في الانضمام لعضويتها، وهذا يؤثر في تراجع الدعم المعنوي للأجيال الشابة المتعاقبة من الفنانين.
وجميع ذلك انعكس سلباً على مستوى الإنتاج المسرحي لهذه الفرق، فجاء موسمياً ومتذبذباً لدى البعض، بينما انعدم لدى الآخر! .. وهذا يجعلنا ندرك لماذا لا يوجد شباك تذاكر للعروض المسرحية في السلطنة إلى الآن!
ولابد من الإشارة إلى أن التغلب على تلك التحديات ومحاولة معالجاتها، سيولد "ثقافة مسرحية" لدى الجمهور العماني الذي برغم معاصرته لمظاهر النهضة الحديثة، إلاّ أنه لا يزال هناك من يجهل رسالة المسرح، ويحاول الابتعاد عنها ما أمكن! ...وفي المقابل، فإن هناك شريحة أخرى تُقبل على مشاهدة العروض المسرحية على سبيل التسلية والترفيه، الأمر الذي ساعد على استسهال رسالة المسرح من خلال تقديم العروض التجارية الرخيصة التي تعتمد على الضحك والتلاعب بالألفاظ والمفارقات الكوميدية، دون أن يكون للعرض المقدم أية هدف!
مما لا شك فيه، أن الفهم الصحيح لطبيعة المسرح، يجعلنا نعيد النظر في العديد من الأمور التي تتعلق أحيانا بطبيعة الرسالة التي يسعى العرض لإيصالها للناس، و الصورة العامة التي قدم من خلالها العرض، ومدى براعة المخرج في اللعب على الفضاء المسرحي لتجسيد الفكرة ...جميع ذلك يحمّل العاملين في مجال المسرح العُماني، مسؤولية النهوض بمستقبله، ويجعل هناك ضرورة لبحث آلية لتطوير الفنان العُماني ومعالجة قضاياه المسرحية، بهدف النهوض بالمسرح العُماني في المستقبل.
كل تلك الآمال العريضة تواجهنا ونحن نحتفل في السابع والعشرين من مارس باليوم العالمي للمسرح، لنرى المسرح العماني، وقد تخطى العقبات التي تواجهه ولو بشكل نسبي، مما سيُمكّنه من الوقوف بثبات، والإسهام في رفد الدراما العُمانية، بطاقات شبابية تستطيع أن تُبدع، لو أعطيت مزيداً من الثقة والدعم اللوجستي من قبل المجتمع والمؤسسات المعنية بالشأن الفني والثقافي.
يُرجى من الزائرين ممن يرغبـون اقتباس المـادة المنشورة هنا، أن يعتمد رابط الموضوع في المجلة دون المادة، وذلك بسبب تنوع البرامج التحويلية التي قد تتسبب بتشويه ترتيب المادة وتبعثر محتواها..
مع التقدير / إدارة التحرير
|