بلا ريْب (27)
أو نصّ الشاعر التونسي عبد الفتاح بن حمودة * : "لا بدّ لكَ أنْ تُحْصي أعقاب السجائر في مرْمَدَة بلّور خضراء" (28). فــ "قصيدة النثر "، تمْنح لنفْسها حقّ تناول الأشياء الحياتيّة البسيطة، الأقرب للفهم، كأنها تقول على لسان عبد الزهرة زكي: "في العارض من القول تُصادف ما هوّ جدير بوهْم أبديّ"(29)
· أمّا الأسلوب، فقد عوّلتْ قصيدة النثر على المفاهيم الثلاثة التالية: "الإيجاز" و"الشموليّة" و"الكثافة"، وهي المفاهيم التي حدّدتها سوزان برنار في كتابها "قصيدة النثر من بودلير إلى أيامنا" ( 1959)، وهي نفس المفاهيم النظريّة التي واصلتْ جماعة شعر الاشتغال عليْها .
* * *
إنّ "قصيدة النثر"، رغم أنها خلقتْ قطيعة واضحة مع أنماط الكتابة الأخرى، إلا أنها لم تكتسب إلى الآن شرعيّتها. ولم تفتكّ إلى الآن ـ أيضا ـ شرعيّة ما من القارئ والناقد . ربما لأنها لمْ تخلق نظامها . هذا النظام / القانون الذي ترْفضه "قصيدة النثر". بل أنها ( وهو ما يحسب لها ) أحرجت النقاد، وأدخلتهم في مأزق إيديولوجي وإبستيمي .
لقد تعوّد النقاد على النمطيّة والحدود النقديّة الجاهزة، والتي تُسهّل عليْهم إخضاع النصّ لآلياتهم. وهو ما اخْتَلَفَ مع قصيدة النثر التي كسرتْ كلّ الأنماط، وكلّ القواعد، ولم تترك للنقاد أيّ خيْط للإمساك بها. وهذا ما جعل شروط اكتمالها غيْر واردة حاليّا، وبالتالي يَعْسُر اعتبارها جنسا أدبيّا مسْتقلا. مع ذلك فهي مستقلّة على قياس أنّ الشّاذ يحفظ ولا يُقاس عليْه .
لكنّ هذه القاعدة قابلة " للهدْم "، لتصْبح ذلك الشّاذ محلّ الدرس... ذلك الشاذ الذي يُقاس عليْه ويُهتدى به .
وكعادة الراهن الثقافي العربي الذي يفْتكّ شرعيّة وجوده ممّن سبقه... شحَذ النقاد معاولهم وأدواتهم المهترئة لوضْع " قصيدة النثر " على طاولة التشْريح . غيْر أنّ الصدمة الإبْستيميّة كانت أعمق ممّا كانوا ينتظرون .
ذاك أنّ " جينات " النصّ , " حامضه النووي " لم تتكشّف للنقاد ولم تمْنحْهم الخيْط الأول لبطاقة الهويّة . فكان أنْ وصِمَ النصّ بأنّه " لقيط " وابْن غيْر شرْعيّ.
ولأنّ الناقد العربي، لم يخْرج البتّة من جلباب تمّام والبحتري والمتنبّي... ولم يسْتغْن عن قاموسه الأخلاقي . هالهم أنْ يدخلوا بوتقة غيْر مضمونة الجانب .
ولعلّ مردّ فشل النقاد في فهم ظاهرة الموج المتلاطم في " قصيدة النثر "، اسْتمتاعهم دائما بالسباحة في المياه الراكدة. فلا زالوا يدْرسون " قصيدة النثر "، مقارنة بالقصيدة العربيّة الكلاسيكيّة. ولم يتجرّأ ناقد واحد تناول النصّ باعْتباره " هوّ " .
وحتّى المؤسسات الجامعيّة الأكاديميّة لمْ تخْط الخطوة الشجاعة، ربّما خوفا من هذه المتمرّدة.
هذا إذا اسْتثْنيْنا بعض المحاولات المنفردة والمتذبْذبة، ولعلّ أهمّها تجربة الشاعر والناقد الفلسطيني عزّ الدين المناصرة في كتابه " إشكاليات قصيدة النثر ". وللأمانة العلميّة يعدّ عملا انطولوجيا متميّزا، ولكنه ليس نقديا .مع ذلك يحسب هذا الجهد لصاحبه .
* * *
قصيدة النثر سهلة ومسْتعصية
* سهلة من جهة عدم وضوح آليات كتابة هذا الجنس الأدبي، وهو ما يُعطي مشْروعيّة مّا لأيّ كان ليكتب "قصيدة النثر". ويعْسر هنا على الناقد أنْ يشكّك في انْتماء هذا النتاج، إلى صنف "قصيدة النثر". وإنْ حاول فإنّ إحراجات نقْديّة ومعْرفيّة كثيرة قدْ تحول دون توضيح رؤيته وتحول دون إقناع القارئ والكاتب ـ على حدّ سواء ـ بخطأ ما .
* وهي مسْتعصية بالعودة إلى ما كتبه المبشّرون "بقصيدة النثر" من غربيين وعرب، كسوزان برنار وأدونيس وأنسي الحاج وبول شاوول وعبّاس بيضون وسرجون بولص .. كما أنّ بعض النصوص النثريّة "الجيّدة" قد تضع الشاعر أمام إحراجات من جهة تعامله مع اللغة. لأنّ قوام "قصيدة النثر" هوّ اللغة بامْتياز. فكسْر قوالب اللغة الجاهزة والإنزياحات العديدة عن بعض قواعد النحو العربي والصور الشعريّة غيْر المألوفة، والتراكيب والمصطلحات التقنيّة وأسماء الأعلام والشواهد المأخوذة عن اللغات الأجنبيّة ... كلّها تقنيات توظّفها "قصيدة النثر" دون إحراج. من ذلك ديوان "سيناريو الأرجوان" لإلياس لحّود، الذي تضمّن مائة وأربعون اسما لأعلام حضروا في التاريخ القريب والبعيد والمعاصر . وهي مسائل يعسر على الكثيرين إتقانها دون السقوط في التقليد أو النشاز. وهذا ما يجعلها مُسْتعصية .
"فقصيدة النثر" بهذا المعنى، حبل يمشي عليْه الكاتب محاولا تجاوز السقوط في التقليد من جهة، والنشاز من جهة أخرى.
بهذا التجاوز فقط، يتمكّن شاعر "قصيدة النثر"، من الاقتراب من جماليّة ما... جماليّة لا تدّعي التأليه ولا الاكتمال، لأنّ اكتمال "قصيدة النثر" هوّ موتها.
فهذه الجماليّة، وثيقة الصلة "بالقصْديّة"**، بما يعنيه هذا المفهوم من علاقة بالمعجم الديني، كأنْ تقْصد / تنوي أداء فريضة دينيّة . فأنتَ تقْصد كتابة "قصيدة النثر"، أيْ تختار النمط الذي ستكتب . ومنه تضع معارفك على طاولة الكتابة، اخْتيارا وتنْقيحا وإقصاءً و تهميشا و ... فالشاعر بهذا المفهوم "إرهابيّ " بامْتياز. بمعنى يُمارس إرهابا ما ضدّ اللغة التي سيُقصيها والتي سيلغيها، وضدّ معارف ما لصالح أخرى.
وهذا مختلف تماما عن كتّاب القصيدة الكلاسيكيّة، الذين لا يتجاوزون الأغراض التقليديّة ( مدح/ هجاء/ فخر/ رثاء.. ) وهي كلها تحتاج فقط إلى الشخص المراد إخضاعه لهذه القيم المسطّرة مُسْبقا من القبيلة أو الحاكم أو السلطة بأشكالها...
إنّ كتّاب "قصيدة النثر"، يحتاجون إلى معارف جمّة علميّة وفنّيّة وسياسيّة واقْتصاديّة ... لأنّ المواضيع تشعّبت واسْتعْصتْ، وصار من الصعب الكتابة في موضوع ما، دون إنزاله في سياقه التاريخي والجغرافي والسياسي.
إذن "قصيدة النثر"، قصيدة معرفيّة أو قصْديّة معْرفيّة . بمعنى أنْ نقصد كتابة ذات الجنس الشعري، وشحنه بجملة من معارفنا المكتسبة. و "بالقصديّة" فقط، يكون الكاتب قد لامس الشرط الأوّل من شروط كتابة "قصيدة النثر ". وهذا ما يجعلنا نجزم، أنّ "قصيدة النثر" لم تظهر قبل مجلّة شعر ( 1957) وتحديدا بعد محاضرة وأدونيس سنة 1960، لمّا تناول في مقالته "في قصيدة النثر" الأسس النظريّة لهذا الجنس من الكتابة، الذي سبَقَ أنْ مهّد له يوسف الخال سنة 1956 .
وإنْ كان أنسي الحاج، يذهب إلى أبعد من ذلك بالقول في أحد حواراته "لمّا بدأتُ كتابة قصيدتي، لم تكن مجلة شعر قد وجدتْ بعد. كما لم يكن كتاب سوزان برنار الذي أخذنا وأدونيس وأنا منه تسْمية "قصيدة النثر" قد صدر بعد أيضا" (30).
وإن كـــــان أنسي الحاج يذهب إلـــى ذلك، إلا أننا لا نعرف هـــل أنّ شــرط "القصْديّة" متوفّر أم لا عند كتابة ديوانه "لـن" الذي صدر سنة 1961 .
لهذا ونحن نحتفي "بالقصديّة" كشرط لكتابة "قصيدة النثر"، يجعلنا نشكّ في كلّ الكتابات النثريّة السابقة على التواريخ المذكورة أعلاه .
* * *
"قصيدة النثر" متمرّدة، لأنها بالجرأة الممنوعة ثارت على السائد. وكلّ تمرّد على السائد، خروج عن القانون وعن السلطة الساعية باسْتمرار للمحافظة عليْه. وهذه القصيدة نفسها كسرتْ مفهوم "الوضوح"، وعسّرتْ على آليات المراقبة والعقاب ـ حسب فوكو ـ ولوج نوايا النصّ . فالإبهام عقّد مهمّة "محاكم التفتيش"، لأنها لا تسْتطيع بالسرعة المعتادة فهم النصّ، وما ذهب إليه الشاعر. وعلى عادة السياسيين والقوّادين، فإنّ كسْر الحاجز الناري للوضوح وللسائد، يعدّ خرْقا للقانون المتّفق عليْه . فلا شيء يجب أنْ يتجاوز فهم السياسيين ويسْبق نواياهم. فكلّ من كسَرَ المعتاد والسائد والمسبق، يُنظر إليه باعتباره ذلك "الخارج عن النصّ" (وفق المعجم المسرحي / الركحي)، ومتّهم إلى أنْ تثْبت إدانته (لا براءته). أي إلى أنْ يسْجنه النقاد بأمر من السلطة (النقديّة / السياسيّة /الدينيّة...) في بوتقة يسْهل مراقبته وإخضاعه .
أمّا فيما يتعلّق بالشعراء الكلاسيكيين، فإنّ خروج غيْرهم عن القواعد المتعارف عليها (العروض هنا)، هوّ تهديد لسلطتهم القائمة، رغم عدم يقينهم من أنّ "قصيدة النثر" ستحقق شروط بقائها. مع ذلك فإنهم ينظرون إلى "قصيدة النثر" باعْتبارها "بدعة " ( وفق المعجم الديني ). إنها كائن سرطاني، يجب الحدّ من قدرته على نهش غبائنا، ومحاربته واتّهامه بالزندقة الفكريّة والجهل والخيانة أيضا (31).
و "قصيدة النثر" متمرّدة حتى على ذاتها. وهي ميزة كلّ نصّ حداثي. فهي متمرّدة على لحظتها، لأنّ الحداثة هيّ الخروج الفوري من اللحظة الآنيّة لأنها دخلت الماضي. وهي كذلك متمرّدة على لغتها وشكلها وموضوعها ... إنها نصّ لا زال تجربة، تصنع التراكم النصّي والنقدي. فهي "مسكونة بثلاثة هواجس على الأقلّ: الاحتياج والاحتجاج والاجتياح" (32).
وربّما بهذه المصطلحات الثلاثة تتشكل بنية التمرّد في "قصيدة النثر".
غير أنك وأنتَ تتجوّل بين "القصائد النثريّة"، قد لا تعثر على ركن واحد من تلك الأركان الثلاثة. وإن يحصل أنْ تتوفّر على " الاحتياج " و " الاجتياح "، إلا أنك من العسير أن تتعثّر على عتبات " الاحتجاج ". لأنها (Egocentrisme) ذاتيّة ومتمحورة حول ذات الشاعر بامتياز
وهو ما يجعل منها بعيدة عن الحدث السياسي والإجتماعي والثقافي ( وإن كانت ضمن المشهد الثقافي، إلا أنها أحيانا كثيرة لا تعبّر عنه ).
وإن كانت هذه الخصوصيّة ما يميّز "قصيدة النثر" الغربيّة، إلا أنه بتنزيلها في الواقع العربي يصبح الأمر مغايرا، باعْتبار اِختلاف الراهن السياسي والثقافي بين الحضارتين. لهذا تُصادفنا مئات، بل آلاف القصائد النثريّة في ساحاتنا الثقافيّة، دون أنْ تلفت انتباه القراء والنقاد. ربّما يعود إلى عدم اِلتزام هذه النصوص بشيء ما .
لهذا لا بدّ من النهوض "قصيدة النثر" من الداخل، بمعنى أنْ يتولّى الشعراء تلك المهمّة، كيْ يكتسب النصّ شرعيّة مّا. أيْ أنْ تُضاعف من وجودها وفرض نمطها الخاص، لتحقق تراكما مّا... هذا التراكم وحده، يمنح فضاءات أوسع للتنظير وللبحث . وهذا التراكم يجب أنْ يشمل ـ أيضا ـ فضاء التجريب، ما دامت" قصيدة النثر" لا تزال تبحث عن عطرها الخاص ومشْيتها الخاصة ولونها الخاص وملابسها الصباحيّة المتميّزة.
ومثلما سعى شعراء "قصيدة النثر" إلى قتل الأب الواجب قتله، أي آباء الشعر العمودي والحرّ ... فإنهم بالمثل يتحتّم عليهم قتل آباء "قصيدة النثر". كما أنه من الضروريّ إعادة النظر في مسألتين هامتين، هما "الموضوع" و"الإبهام ".
أ ـ الموضوع:
كنا قد أشرنا سابقا إلى أنّ مواضيع "قصيدة النثر" ـ إلى الآن ـ لم تمسّ القارئ. ببساطة لأنها مواضيع / حالات. بمعنى انها مواضيع تعكس حالة نفسيّة ومجموعة من العقد، يحاول الشاعر التخلّص منها بأن يرتّبها في وعاء هذا النمط من الكتابة. فالذين يعتبرون أنّ جذور "قصيدة النثر" عربيّة، أو أنّ لها خصوصيّة عربيّة... عليهم أنْ يُثبتوا أنّ هذا النمط من الكتابة وفيّ لبيئته العربيّة التي لا نقول نشأ منها / فيها، ولكن تنزّل / أُسْقط من الخارج . وعليهم أنْ يُثبتوا أيضا أنه لا يقفز على واقع العرب السياسي والإجتماعي والثقافي .
صحيح أنّ "القطع" مع الأغراض، مسألة هامة في "قصيدة النثر"، لكن هذه الأغراض ليستْ الأعمدة التي تشدّ سقف الإبداع من السقوط. بل هي الأصداف المتحرّرة والمتحوّلة والتي تضخّ أكسير الحياة إلى النصّ الشعري. فلمّا لا تتناول "قصيدة النثر" أغراض الراهن الثقافي والسياسي والإجتماعي ... أي الراهن / الآني بكلّ الهموم الحضاريّة المُطبقة على صدْر المثقف العربي، وحالات الضياع والتشظي التي تعني كل مواطن عربيّ ...فلمّا لا تتناول كل هذا، فهي لم تعد شيئا آخر عدا كونها إكسسوارا لتجميل راهننا الثقافي بمفاهيم حديثة كالحداثة والعولمة و ...
إنّ تنكّر "قصيدة النثر " لواقعها، إنما هو سعي منها من حيث لا تدري إلى صبّ الملح تحت أقدامنا. خلاف ذلك يمكن أنْ يصنع هذا النصّ عالميّته و إنسانيّته انطلاقا من محلّيته . ولنا في ذلك مئات الأمثلة في صنوف الإبداع المختلفة . هذا إذا التزم النصّ الشعري براهنه وواقعه ودافع عن المختلف والمغاير . ولا ينساق وراء النصوص الغربيّة التي صرنا نراها ماثلة بامتياز في نصوص شعرائنا العرب. هذا ما سيجعلنا نعتقد مع عبد الله مرتاض أنّ الغرب بانتصاراته المتتالية وسيطرته على العالم، أمكن له أنْ يُملي شروطه على كتّاب هذا الجنس الشعري .
وهذه الانتصارات " تنْهض على تذْويب الكيانات الوطنيّة والثقافات المحليّة، فلا يبقى منها شيء يحفظ حميميّتها"(33).
نعود إلى قولنا أن النص النثريّ الآن خال من الموضوع . بمعنى أن لا تجد موضوعا محددا يتحدّث عنه الشاعر. فشاعر "قصيدة النثر" عادة ما يتحدّث عن نفسه بكرازماتيّة خارقة . فالقصيدة لم تعد "تنطلق من موضوع مّا، بل صارت تنطلق من حالة مّا، أو حالات مّا مركّبة، تكون الحالة النفسيّة والثقافيّة وكلّ كيان أو معاناة يعانيها الشاعر أشبه بحالة من البخار المكثّف الحار جدّا الساخن، كأنه بخار الروح لاتصاله بينابيع المعاناة والتجربة وصدقها "(34).
ب ـ الإبهام :
وهو من المسائل الأكثر خطورة، لأنّ التعويل على هذه التقنية، يُربك القارئ ويُقصيه عن دائرة الفهم. لأنّ الشاعر اليوم، لم يُراع التراكم المطلوب للوصول بهذا القارئ إلى هذا المستوى .
فالإبهام أربك القارئ العربيّ الذي لا زال إلى الآن يُعوّل في ثقافته على الاستماع كمصدر للمعرفة. مما جعل "قصيدة النثر" نخْبويّة . وبالتالي أُقصيتْ عن المنابر الشعريّة والأمسيات والملتقيات. لأنّ النصّ يحتاج من القارئ كلّ حواسه كيْ يَلِجَ النصّ. وهذا غيْر ممكن لقارئ يتحوّل للاستماع إلى الشعر وفي جيوبه كمّا هائلا من المشاغل الحياتيّة والاجتماعية والثقافيّة التي لا زالت ترهقه.
فالمتلقّي إذا عجَزَ عنْ " فكّ أزرار الرموز التي شكّلها الباثّ " (35)، فإنّ الخيط الرفيع المسمّى "بالتواصل" قد يُقطع . وربّما نفهم الآن القطيعة الحاصلة بين القارئ والشعر. وإنْ كان "مالارميه"يرى أنّ "تسْمية الموضوع تحطيم ثلاثة أرباع الاستمتاع بالقصيدة" بالمثل يقول إلياس لحّود "نعم : المعنى ضدّ الشعريّة ..."(36).
.... غير أنّ محمد لطفي اليوسفي، يذهب عكس ما ذهبا إليه ( مالارميه ولحود ) بالإشارة إلى أن الشاعر يجب أنْ يَعْبُر إلى المتلقّي من خلال البرزخ الرقيق بين "العادة" و الإبهام ": " إنّ الشعر نشاط بشريّ يتجاذبه قطبان: العادة والإبهام. وقَدَره يتمثّل في الإفلات من كليْهما، حتّى يُهادن العادة ولا يرتاد الإبهام." (37). لهذه وغيْرها من الأسباب، يبقى مسْتقبل "قصيدة النثر" تراوح بين الغموض والتراجع لسببيْن على الأقلّ:
أولا: أنّ النصّ الخالد، هوّ الذي يُعبّر عن قضايا ووضْع سائد، كنصوص عديدة بقيتْ خالدة إلى الآن. وتسْتحضرني هنا نصوص محمود درويش ونزار قباني وسميح القاسم و ... فإذا اسْتطاع القارئ العربي أن يحفظ ويردد هذه النصوص، فلماذا لا يحفظ بالمثل نصوص الماغوط وبول شاوول وأنسي الحاج وأدونيس ....؟؟
أليستْ هذه الملاحظة تسْتدعي الوقوف عندها والتساؤل عن أسبابها.
هل هو جهل القارئ العربي الذي لم يرْتق إلى نُخَب، كما أشار إلى ذلك إلياس لحود ؟
أم أنّ مردّ ذلك يعود إلى أنّ "قصيدة النثر" قصيدة / حالة، تموت بمجرّد موت الشاعر بيولوجيا ؟ أو خروجه من حالته تلك إلى حالة مُغايرة ؟
ثانيا: تُشكّل مسْألة الإبهام، خطورة ما على النصّ. بحيْث تشغل بال النقّاد والشعراء والقراء. لهذا لا أجزم أنْ تكون "قصيدة النثر" لغة المسْتقبل ببقائها على صورتها تلك. مع ذلك لبعض النصوص قدْرتها على الخلود، باعْتبار أنّ بعض شعراء "قصيدة النثر" تفطّنوا إلى خطورة هذين العنصريْن.
إذن، بالخروج من المأزقين المذكوريْن يمكن أنْ تكون "قصيدة النثر" نصّا كونيّا، من جهة تسْخيره كلّ المصطلحات والصّور العاديّة والخارقة والمهمّشة، وحتّى المتناقضة مع الفهم السّائد عند القارئ العربي. لكن بالتعويل على ما هوّ محلّي . وليْس صحيحا البتّة أنّ "الإنبتات" وحده الجناح الذي نطير به إلى الكونيّ والعالميّ. ولنا في ذلك أمثلة عديدة في الشعر الكوبيّ وقصيدة الهايكو اليابانيّة ....
خلاصة:
لعلّ أهمّ ما أضافته "قصيدة النثر"إلى حدّ الآن، هوّ قدرتها على طرح السؤال. بمعنى أنّ القارئ العربيّ والناقد العربيّ والسلطة العربيّة، تعوّدتْ على الإجابات والإجابات السهلة والجاهزة. لذلك تراها تَكره الأسئلة، لأنها تكشفنا وتُعرّينا وتُحرجنا. وحتّى إنْ بادر أحدنا بالسؤال، فإنّ سؤاله عادة ما يتضمّن الإجابة الجاهزة. "فقصيدة النثر" حرّكتْ مياه الأسئلة الراكدة، وألقتْها كالأفاعي على طرقات ثقافتنا العربيّة، الخالية أصلا من المارة / المثقفين. فكان أنْ حفّزتْ النقاد وقضّتْ مضاجعهم وأربكتهم. وهم الذين تعوّدوا على الاستكانة والخلود إلى النصّ المحافظ على السائد.
نعم، لقد أحرجتْ "قصيدة النثر" السلطة النقديّة، وحتّى السلط الأخرى، لأنها عصيّة على الفهم أوّلا. ولأنها لم تُسهّل ـ إلى الآن ـ على النقاد مهامهم .
إنّ التراكم الكمّي نصّا ونقداً، سيُضيف لا محالة أشياء معرفيّة كثيرة نوعيّة، من شأنها أنْ تُطوّر الخطاب الثقافي العربي إلى الأفضل.
ــــــــــ
الهوامــش :
21 ـ محمد لطفي اليوسفي : لحظة المكاشفة الشعريّة ـ إطلالة على مدار الرعب، الدار التونسيّة للنشر، ص 221 .
22 ـ محمد لطفي اليوسفي : نفس المصدر السابق .
23 ـ حسن مخافي : الأسس النظريّة لقصيدة النثر في الأدب العربي الحديث ـ
( مرحلة التأسيس )،كتابات معاصرة ـ العدد 38،أبريل2004، ص 141 .
24 ـ عزّ الدين المناصرة : إشكاليات قصيدة النثر ـ نصّ مفتوح عابر للأنواع، المؤسسة العربيّة للدراسات والنشر، ط 1 ، 2002، ص 263 .
25 ـ عزّ الدين المناصرة : نفس المصدر السابق .
26 ـ خالد الماجري وشوقي العنيزي: حوار مع الشاعر اللبناني شربل داغرـ عن كتابة القصيدة الحديثة وعن تذوّقها، مجلة الحياة الثقافيّة التونسيّة، وزارة الثقافة، السنة 27، العدد 139 / نوفمبر 2002، ص 93 .
27 ـ إدريس علوش: مرثية لحذاء البلاد المنخفضة، مجلة مرافئ المغربيّة .
28 ـ عبد الفتاح بن حمودة : الفراشات ليلا، الشركة العالميّة للطباعة، ط 1، سبتمبر 2003، ص 114 .
29 ـ عبد الزهرة زكي: كتاب الأسفار 2، ط1، بغداد 1993.
30 ـ نوري الجراح: شهادة أنسي الحاج، مجلة نزوى، العدد 29 / يناير 2002،
ص 40 .
31 ـ أُثيرت نقاشات حادة حول الأيادي الخفيّة التي تقف وراء مجلة " شعر " . خاصة علاقة المجلة " بالمنظمة العالميّة لحريّة الثقافة " التي يشاع أن لها علاقة بالمخابرات المركزيّة الأمريكيّة.
32 ـ المهدي عثمان :حوار مع عبد الفتاح بن حمودة،الحركة الشعريّة
(المكسيك )، العدد 11، شتاء 2001، ص 110 .
33ـ عزّ الدين المناصرة : إشكاليات قصيدة النثر ـ نصّ مفتوح عابر للأنواع، المؤسسة العربيّة للدراسات والنشر، ط 1 ، 2002، ص 244 .
34 ـ علوي الهاشمي ( مقابلة معه )، جريدة الرياض، الخميس 16 ربيع الأول 1414 هـ ـ 02 سبتمبر 1993 / عدد 9201، السنة 20.
35 ـ محمد لطفي اليوسفي : في بنية الشعر العربي المعاصر، دار سراس للنشر، 1985 ، ص 148.
36 ـ إلياس لحود : كتابات معاصرة، عدد 43 .
37 ـ محمد لطفي اليوسفي : في بنية الشعر العربي المعاصر، دار سراس للنشر، 1985 ، ص 148.