|
عزة القصابي

كثيراً ما تطالعنا أعمال درامية، سواء أكانت تليفزيونية أم سينمائية أم مسرحية، تستلهم موضوعاتها من إحدى الروايات أو القصص الشهيرة التي هزّت الأوساط الثقافية كما تأثر بها رجل الشارع. ومن الغريب بالرغم من حجم عدد القصص والروايات التي نجدها في المكتبات العربية، إلا أن هناك عدداً قليلاً تمت معالجته وتحويله إلى أعمال درامية.
ومن العروض الحديثة اللافتة للنظر، تجربة المخرج المصري عمر قابيل، الذي أراد أن يثبت قدرة المسرح على استقطاب الأجناس الأدبية وتوظيفها بشكل يخدم القضايا الإنسانية، حيث نسج هذا المخرج من رائعة الكاتب والقاص يوسف إدريس ( العيب والحرام) أحداث مسرحية (وجوه الساحر)، والتي قُدّمت في البيت الفني بمصر ثم عُرِضت مؤخراً ضمن فعاليات مهرجان دمشق المسرحي الرابع عشر.
عندما كتب يوسف إدريس روايته (العيب والحرام) أراد أن يُلامس الوجع الإنساني لدى الطبقات الدُّنيا والكادحة من الناس تحديداً، الذين يعملون ليل نهار من أجل الحصول على قُوتِ يومهم. مع الاستناد إلى مناطق الضعف الإنساني التي تتمثل في الشرف والحب والمال.. والتي من خلالها استطاع المؤلف أن يُبرز التناقض بين الصفات الإنسانية لدى البشر.. في محاولة بائسة لمعرفة ما المقصود بالشرف؟ وما المقصود بالأمانة؟ .. وكيف يستطيع الإنسان أن يحافظ على مُثُلهِ العُليا في ظل مجتمع ضاعت فيه القيم الإنسانية، وتباينت مفاهيم الشرف والأمانة، والعيب والحرام؟!..
فهل الحرام هو ذلك الذي تحرّمه الأديان؟ أم أنه ذلك الذي ترفُضه الأعراف التي يتوارثها الناس جيلاً بعد جيل أو ما يعرف بالعادات والتقاليد؟
هكذا تباينت الآراء عند طرح موضوع "العيب والحرام" على خشبة المسرح، وبرغم أن خلفية النّصِ تعود إلى الستينيات من القرن الماضي، إلاّ أن النّصَ عالج موضوعاً حياً، يطرح نفسه في كل زمان ومكان كونه يعتمد الرهان على القيم الإنسانية التي بات علماء الاجتماع والأديان يحاولون أن يجدوا لها تفسيرا حتى في أكثر الشعوب محافظة ؟!
كما صنع المخرج قابيل من خلال جماليات الشكل لوحة درامية قلّما نجدها في الركح، ولكن يمكن أن نجدها في الدراما التليفزيونية، حيث قدم العرض في ثلاث لوحات، تمثل نماذج حاضرة بغية الرهان على القيم الإنسانية نتيجة تباطؤ الاعتراف بالمُثل العُليا للأخلاقيات واللهاث وراء المادة، وذوبان الحقيقة وراء المجاملات.. وأولى اللوحات تلك التي تصوِّر رجل الأمن الذي يستقبل قضايا مختلفة مثل: السرقة والنشل والإغتصاب والمخدرات... ولو بحثنا في حيثيات تلك الجرائم سنجد أن "الفَقر" يشكل القاعدة المحورية للحدث.
أما اللوحة الثانية فتتمركز أحداثها بين الموظفين في أحد القطاعات الحكومية ..حيث دار جدال فكري بين أولئك الذين ذابت لديهم "القيم الأخلاقية " وأصبحت الرشوة والاختلاسات تسمى "فراسة أو شطارة".. أما الفريق الآخر الذي تجسده شخصية الموظفة الجديدة رفضت الانسياق للتيار السائد برغم من حاجتها المادية .. ولكن في النهاية، جميع الظروف الحالكة تلتف حول رقبتها، لنجدها تستلم وتضطر إلى مجاراة الآخرين والقبول بالواقع المرير برغم رفضها له في البداية!
أما اللوحة الثالثة.. فتدور أحداثها حول الفتاة الريفية التي تنتمي إلى طبقة دُنيا في المجتمع، حيث الفَقر والضياع والحرمان والجهل ..كلها منظومة اجتمعت لتشكل واقع هذه المرأة الاجتماعي، والذي يعظّم الذّكُورة ويقلل من شأن النساء! .. بما جعلهنّ دائماً شماعة لأخطاء الآخرين ومغامراتهم! ..
هكذا تستمر الأحداث لنجد هذه المرأة تتعرض للاغتصاب وتحمل من الغريب سِفاحاً، والذي يتنكر منها بعد ذلك، كما ينكرها المجتمع، فهي رمز للرذيلة! بينما يختفي الآخر وراء ستار العفة الذكورية التي منحه إياها المجتمع، فأصبح بذلك "العيب" هو "الحرام" الذي يُقرُّهُ الناس، حتى ولو كانت هناك ملابسات أخرى خفية وراء الحدث!
وقُدّمت اللوحات الثلاث بالتناوب على الخشبة، من خلال تسلسل الأحداث، بالرغم من واقعية الديكور الذي بدى ثقيلاً على الخشبة، والذي جاء ليتناسب مع الشكل الفني للعرض المسرحي. حيث جاء العرض أقرب إلى العروض التقليدية التي تعتمد على الحوار السردي بالدرجة الأولى. وهذا جعل الإيقاع العام له مُعرّضاً للهبوط، نتيجة الإطالة الناتجة عن السرديات والحوار الطويل بين الشخصيات، والسير على نفس الوتيرة دون التنويع في رفع إيقاع العمل، الأمر الذي من شأنه أن يصيب المشاهد بالممل .
وحاول المخرج أن ينتقل من لوحة إلى أخرى من خلال إظلام بعض مناطق الخشبة وإضاءة موقع الحدث.. وهذا التباين في الانتقال بين اللوحات، أوجد أمام المشاهد شكلاً مسرحياً جديداً، استطاع أن يُكسر وحدتي الموضوع والمكان المعهودتين.. واعتمد على استمرارية واقعية الحدث ومرارته في سرد تفاصيل النماذج الإنسانية.
حمل الأداء التمثيلي هذا العرض الكثير من التناقضات عند تجسيد أدوار الشخصيات، حيث كان يُفترض من الشخصية الواحدة أن تلعب دورين أو ثلاثة، وتظهر أمام نفس النظّارة (الجمهور).. وهكذا، فمن كان يقوم بدور خير في أحد المشاهد، نجده يقوم بدور الإنسان المتعربد على القيم الأخلاقية في مشهد آخر، وهذا بدوره يتطلب من الممثل توظيف أدواته الإبداعية الداخلية والخارجية السريعة، والتي تمكنه من الانسلاخ من شخصية إلى أخرى دون أن يؤثر ذلك عليه.
وهذا جعل المشاهد في عرض مسرحية "وجوه الساحر" يبحث عن وجوه الساحر الضائعة بين البشر، والتي على ما يبدو بأنها ضاعت بينهم بسبب ضياع الحقيقة والمصداقية.. حتى أصبح الإنسان العصري لا يعرف أين الحقيقة.. والصالح من الطالح.؟
يُرجى من الزائرين ممن يرغبـون اقتباس المـادة المنشورة هنا، أن يعتمد نسخ رابط الموضوع في المجلة دون المادة، وذلك بسبب تنوع البرامج التحويلية التي قد تتسبب بتشويه ترتيب المادة وتبعثر محتواها..
مع التقدير / إدارة التحرير
|