يرجى من جميع الكتاب والباحثين وأهل القلم ممن يرغبون نشر نتاجهم في المجلة أن يأخذوا بالاعتبار أن تكون المادة تنشر للمرة الأولى.. وشكرا
[ الآراء والمواقف المتضمنة لا تعبّر بالضرورة عن رأي المجلة ]



قراءة في ديوان

 شريف الشافعي يفتح أفقًا جديدًا لقصيدة النثر 

"الأعمال الكاملة لإنسان آلي" .. مغامرة شعرية بخيال إلكتروني

 

مهدي حسانين*

 

شريف الشافعييبدو أن الشعر العربي في طريقه إلى ارتياد آفاق جديدة، تنفتح على الفضاء الإلكتروني بنقاطه المضيئة، جنبًا إلى جنب مع انفتاحها على الواقع الحياتي بأحداثه الملموسة، التي يسمو بها الشعر خارج كليشيهات الحياة، بخيال أسرع من الكهرباء وموجات الراديو. فها هو الروبوت (الإنسان الآلي)، يتمثل مبدعًا، من الألف إلى الياء، للمرة الأولى في تاريخه، على يد الشاعر المصري شريف الشافعي، الذي صدر له في القاهرة مؤخرًا الجزء الأول من عمل أدبي فريد من نوعه بعنوان "الأعمال الكاملة لإنسان آلي".

وعلى ما يظهر، فإن المؤلف الحقيقي (الشافعي) قد تنازل للمؤلف الافتراضي (الروبوت) عن حقوق الملكية الفكرية لديوانه!، لتكون "الأعمال الكاملة لإنسان آلي" بأجزائها الشعرية المتتالية بمثابة شهادة حية للإنسان الآلي على العصر الحديث، بكل سلبياته وإحباطاته وانهزاماته الروحية، وأيضًا بكل منجزاته التقنية والعلمية والاتصالاتية.

الجزء الأول من "الأعمال الكاملة لإنسان آلي"، صدر بعنوان "البحث عن نيرمانا بأصابع ذكية" (200 محاولة عنكبوتية لاصطياد كائن منقرض)، ويقع في 230 صفحة من القطع الكبير، ويبين مؤلفه أن الجزء الثاني المزمع إصداره في القريب سيحمل عنوان "غازات ضاحكة".

ومحاولات البحث عن نيرمانا (وهي أيضًا: نيرما، نيرميتا، نيرمالا، نيرمزاد، نيرفانا، نورينا، نوريتا، نيرمينا، نيتا، ميتا، تيتا، نيرفا، نونا، نون، ن)) هي ـ من جهة ـ تلمس مادي لفيزياء نيرمانا بالاستعانة بشبكة خيوط العنكبوت، ومن جهة أخرى هي استشفاف روحاني لنيرفانا الافتراضية بمعاونة خطوط شبكة الإنترنت العنكبوتية، رمز تقنيات العصر التي يمتلكها الروبوت، الفقير إنسانيًّا إلى أبعد الحدود.

أما الإهداء الذي اختطته أصابع الروبوت المبدع الذكية، فهو: "إلى الهواء الفاسد، الذي أجبرني على فتح النافذة"، بوصف تلك النافذة طاقة سحرية يطل منها الروبوت الطموح، بل يقفز، ليفتتح رحلته الدائرية خلف نيرمانا، أو ذاته السرابية المنقرضة، التي يدرك مسبقًا أنه لن يجدها.غلاف الديوان

لكن هذه الرحلة الدائرية هي البديل الوحيد لحياة زائفة، محنطة، منتهية إكلينيكيًّا في غرفة كونية معقّمة، كان لابد أن تلوثها نيرمانا بفيروس التمرد اللذيذ: (يَعرفُ الهاتفُ أنها هِيَ/ فيخجل من حرارتهِ المرفوعةِ مؤقَّتًا/ وينبض بحياةٍ، لا تتحمَّلُها أسلاكُ أعصابي/ نيرفانا، "صباح الخير" من شَفَتَيْها كافيةٌ جدًّا لأتساءلَ: "كيف سأتحمَّلُ رائحةَ البشرِ أمثالي، بعد أن غمرني عِطْرُ الملائكةِ؟!/ "تصبح على خيْرٍ" من عينَيْها صالحةٌ جدًّا، لزرع الفيروس اللذيذِ في عقلي الإلكترونيِّ الْمُنْهَكِ، وَمَحْوِ خلايايَ السليمةِ والتالفةِ).

يرتاد الروبوت المبدع في هذه التجربة منطقة إبداعية بكرًا، يتقاطع فيها الإبداع الورقي مع الإبداع الرقمي، ويتجلى "الروبوت" متحدثًا عن ذاته بلغة رائقة شفيفة، خالية من مكسبات الطعم والألوان الصناعية.

يسعى الروبوت الشاعر إلى نقل صورة أمينة لمكابدات وإحباطات الإنسان المعاصر، أينما كان، في نقاط النصر الزائف على هذه الأرض، أو نقاط الهزيمة، ففي الحالتين: الإنسان مكبل بقيود الحياة الرقمية الجامدة، مفتقد جذوته المشتعلة، منسلخ من هويته وإرادته الحرة وقدرته على اتخاذ قرار بحرية، منصهر في مشتركات جمعية أذابت خصوصيته وفردانيته. يقول الروبوت المتمرد على القطيع، الرافض لقوانين البرمجة البشرية، الثائر على مستجدات عصره الاقتصادية والسياسية والعسكرية والاجتماعية والعلمية، التي قادت الإنسانية إلى هذا النفق المظلم، الذي خضع كل شيء فيه للحساب والمعادلات الرياضية، حتى معدلات المواليد والوفيات: (الأهمّ لماكينة ميتة، من الكهرباءِ وبرنامج التشغيلِ، أن تصبحَ قادرةً على الْحَشْرَجِةِ وقتما تشاءُ).

اتسق إخراج الكتاب، بصبغته الميكانيكية الرياضية، مع مضمونه الواقعي والافتراضي في آنٍ، ولغته التلغرافية المحددة، الأقرب إلى الصيغة الرقمية (لغة الصفر والواحد)، المشبّعة بوقود الروح ودفء الحياة، فجاءت التجربة المتوهجة ـ بروحها وجسدها ـ انفلاتًا حقيقيًّا من أسر الكليشيهات الشعرية السائدة في المشهد الشعري المصري والعربي، الأمر الذي حدا بعض المحللين والنقاد إلى وصف "الأعمال الكاملة لإنسان آلي" بأنها "انقلاب أبيض في شعر العرب"، ونقطة التقاء حميمة بين منجزات قصيدة النثر الحديثة، وإرهاصات الإبداعات الإلكترونية الوليدة.

هي تجربة ضد الإجراءات، ضد البرمجيات، خارج شروط الريموت كونترول في يد القوة المهيمنة، ويفصح الروبوت عن هذا المعنى في كثير من المقاطع، التي لا تخلو بالضرورة من مخاطبة نيرمانا أو إحدى مشتقاتها: (تتمنّى ساعةُ القلبِ، لو تُخْطِئُ التوقيتَ مرةً واحدةً، فتدقّ دقّتينِ مثلاً، في تمامِ الواحدة!/ هذا ليس معناهُ أنني أرغبُ في امرأتينِ، - حاشا/ الله يشهدُ أنني مصابٌ بالتُّخمَةِ من النّسَاءِ/ كلّ ما في الأمر، أنني أودُّ طَمْأَنَةَ نيرمانا، أن كواكبَ المجرّةِ، وإلكتروناتِ الذّرّةِ، من الممكنِ ألا تنتظمَ في دورانِها).

حفل الجزء الأول من "الأعمال الكاملة لإنسان آلي" بالعديد من الإشارات إلى القوانين والنظريات الحسابية والهندسية والفيزيائية، وذابت الحدود والفواصل بين التخييل الشعري والإقناع الذهني، وانصهرت لغة العلم تمامًا في أبجدية الفن، يقول الروبوت الباحث عن نيرمانا: (الأشعّةُ المقطعيّةُ على المخِّ، كشفتْ بوضوحٍ عدم وجود خلايا مصابةٍ بـ"متلازمةِ نيرما"/ رسمُ القلبِ، يؤكّدُ عدم انتظام النبضاتِ بدون سببٍ ظاهرٍ/ كهرباءُ الجسمِ، تبدو زائدةً على المعتادِ بغرابةٍ/ تحليلُ الدمِ، يشيرُ إلى ارتفاع نسبة الكلوروفيلِ الأخضرِ/ منظارُ المعدةِ،التقط صورًا لعروسين في شهرِ العسلِ/ اختبارُ القدرةِ على الإنجابِ، يؤكّد تفرُّدي بضخِّ بذورِ الياسمين، الصالحةِ للزراعةِ في أية تربةٍ، بدون أسمدةٍ كيماويّةٍ/ جهازُ كشفِ الكذبِ، أطْلَقَ إشارةَ تنبيهٍ، عندما سُئِلْتُ عن نيرما، فقلتُ: "إنها السرابُ").

يُشار إلى أن الشاعر شريف الشافعي، يعمل صحفيًّا في مؤسسة الأهرام بالقاهرة، ويقيم حاليًا بالسعودية، وله ثلاثة دواوين شعرية سابقة، حفلت باستخدام الرموز والدوال الرياضية والعملية، هي: "بينهما يَصْدَأُ الوقتُ", و"وَحْدَهُ يستمعُ إلى كونشرتو الكيمياء", و"الألوانُ ترتعدُ بشراهَةٍ", كما صدر له كتاب بحثيٌّ بعنوان "نجيب محفوظ: المكان الشعبيّ في رواياته بين الواقع والإبداع" عن الدار المصرية اللبنانية.

------------------    

(*) أكاديمي وكاتب مصري مقيم بالسعودية

 

يُرجى من الزائرين ممن يرغبـون اقتباس المـادة المنشورة هنا، أن يعتمد نسخ رابط الموضوع في المجلة دون المادة، وذلك بسبب تنوع البرامج التحويلية التي قد تتسبب بتشويه ترتيب المادة وتبعثر محتواها..

مع التقدير / إدارة التحرير

 

 


      مجلة دليل الكتاب :
  • الصفحة الرئيسية
  • لإرسال المقالات أو التعليقات

      أقسام المجلة :
  • قراءة في كتاب
  • قراءة في ديوان
  • قراءات مختارة
  • قراءات نقدية
  • ثقافة وآداب
  • أبحاث ودراسات
  • أشعار وقصائد
  • مؤتمرات ومهرجانات
  • معارض
  • مقابلات
  • تحقيقات
  • مواضيع المجلة
  • أراء خاصة
  • قصة قصيرة
  • أخبار ومتابعات
  • ما يكتبه القراء
  • سيرة ذاتية

      الجديد :



 تهافت منطق "التأويل العلمي" عند الدكتور زغلول النجار وآخرين!

 شكوى الحروف

 قلْ .. ولو كفراً

 رقَّ القلب

 أيها النقاد.. أنتم أمناء ولستم مسترزقين.!؟

 الروائية اللبنانية هدى بركات وثقافة الحرب

 أمسية شعرية فـي (شارع الوكلات)

 المسرح العُماني وبذور الإبداع

 قراءة في رواية

 ما نعرفه نصف الحقيقة وما نخشاه نصفها الآخر


      البحث في الموقع :







      مقالات عشوائية :



 ومع ذلك.. فإنها تدور..

 متسكّع في مقهى باريس (2)

 مدخل الى سوسيولوجيا التراث

 لا أحتاج إلى أصدقاء فلدي طيور

 المواجهة النووية المقبلة مع ايران في كتاب صدر عن "دار العلم للملايين"

 مقابلة مع السفير الجزائري ابراهيم بن حاصي

 A Birthday

 شهرزاد عربية بلغة أجنبية: تتجاوز الشفوي إلى المكتوب

 وأمطر الجسد : لعبدالله الشايب

 اللغة بين المنطق المعياري و السماع


      وأيضا :
  • موقع دليل الكتاب
  • الصفحة الرئيسية
  • أرشيف الموقع
  • أضف الموقع للمفضلة
  • إجعل الموقع رئيسية المتصفح

      العنوان :


دليل الكتاب
الوسيط الثقافي بين القارئ والناشر

الناشر

ديوان الكتاب للثقافة والنشر

المدير المسؤول : خالد الغُربي
مدير التحرير : علي دهيني

طريق المطار - خلف مبنى الضمان الإجتماعي - بناية جابر - ط1
هاتف وفاكس : 01451552
ص.ب : 1001/85 - 2010
info@dalilmag.net


Designed , Hosted  &  Programmed by : King 4 Host . Net