|

شهرزاد عربية بلغة أجنبية: تتجاوز الشفوي إلى المكتوب
رواية "المرأة التي لاقبر لها" لآسيا جبار
د.سليمة لوكام
أستاذة جامعية ـ الجزائر
غطت شهرة "شهرزاد" في التراث الإنساني على كل النساء اللواتي مارسن السرد الشفوي، وعدّت ممن ثبتوا الفكرة التي مفادها أن السرد يساوي الحياة* إذ استطاعت أن تجنب نفسها وبنات عصرها قدرا محتوما وهو الإعدام على يد سياف "شهريار"، ولكن شهرة هذه المرأة الساردة لم تكن لتطبق الآفاق لو لم تتحول سردا مكتوبا قاوم عواصف النسيان، ونصا محكيا مدونا تناقلته الأيدي بعد أن نطقت به الشفاه.
أرادت الروائية الجزائرية "آسيا جبار" أن تصنع بالسرد الحياة، وأن تَفْتَكّ به الحياة من الموت، أن تحرر الذاكرة من النسيان، ولذلك فهي لا تدافع ولا ترافع وإنما هي تؤسس للحضور، ولذلك أيضاً لم تقنع بالشفوي الثاوي في ذاكرة نسوة يجدن السرد بمهارة ومرارة، ولم تبلغ اليقين وهي تعبر من المسرود إلى المرئي ( الصورة) ** تجسد به ما غزلته الألسنة من حكايات وما حاكته المخيلة من وقائع، لقد أيقنت أن لا سبيل إلاّ المكتوب تتجاوز به قصور الشفوي لارتباطه بمقامات التواصل التي لا تتوفر في كل آن وموضع، وتتخطى به مآزق المرئي الذي تخضع سياقات تلقيه لحيثيات تجرّدُه من أثره إذ تزجّ به صاغراً في سراديب الحسابات الإيديولوجية، والتوازنات التاريخية والسياسية وحتى الثقافية، وهو موئل يتعارض إلى حد الصدام مع بلوغ مأربها الذي هو إحقاق ما ينبغي إحقاقه من عدالة للتاريخ وإنصاف للإنسان ومعرفة حقيقية للذات و مفهمة عميقة للهوية.
إذن، قدّت كاتبتنا " في المرأة التي لا قبر لها" (La femme sans sépulture) نصاً روائيّا متفرّداً يكاد ينعقد الإجماع على خاصيته الحوارية المائزة، إذ ارتكزت فيه على توظيف مكثف لأصوات متعدّدة تتناوب الحكي، تؤسس لسلطته وتراهن على فتنته.
إنه نص لا يخرق مألوف الكتابة الروائية بما هي تجريب دائم، ولا يتجاوز أطرها الجمالية بما يصيرها حداثية، وإنما أراد بالمكتوب أن يثبت الشفويّ، ورامَ بطقوس التدوين أن يلملم شتات ذاكرة بدأت مساماتها تتسع وتهدد بأن تستحيل مع الزمن ثقوباً عظيمة يؤول معها التاريخ والماضي إلى الخواء وقبض الريح.
وليس بخاف أن صاحبة روايات " العطش" (La Soif) و "الجازعون"(Les impatients). و"أبناء العالم الجديد" (Les enfants du nouveau monde) قد أدت دوراً بارزاً، بوصفها مثقفة جزائرية ومبدعة ناطقة باللغة الفرنسية، في لفت الأنظار إلى حقيقة ما كان يجري في الجزائر من تعسف وقهر، وما يعيشه الجزائريون العرب والمسلمون من غياب لمعاني الوجود كالعدالة والكرامة والحرية في ظل وجود مستعمر فرنسي يصنع الموت والدمار تحت مظلة إشاعة الحضارة وترسيخ قيم المدنية.
وعلى الرغم من منفى اللغة، فقد استطاعت "جبار" أن " تجند معرفتها الخارقة للغة الفرنسية من أجل تعرية الاستعمار وكشف جرائمه البشعة المستترة تحت خطاباته الفضفاضة حول رسالته الحضارية وإنسانيته المزعومة" (1) .
وعلى الرغم، أيضاً، من كونها امرأة بما ينطوي عليه هذا الوضع من دلالات وإيحاءات، فإنها لم تقنع بتقحم المجاهل المعتمة للكتابة الروائية، ولم تكتف بالإفصاح عن الذات فيها، وإعلان حدود وعيها وتخوم إدراكها لحقيقة وجودها وماهيته، وإنما تجاوزت ذلك إلى الدفاع عن الحق في هذا الوجود من خلال تلك الصور الحية التي نقلت واقعاً مريراً للإنسان الجزائري الذي أصبح الأمر بالنسبة إليه يتركز في بؤرة الصراع من أجل الوجود، ثم خوض معركة الانتماء وتثبيت الهوية.
وبعد ما يزيد عن ثلاثة عقود، تعود "آسيا جبار" لتكتب سِفراً آخر من أسفار الثورة تقاوم به عاصفة النسيان، تستعيد به الذات، وتعيد به كتابة التاريخ، و تؤسس به لتقليد المحكي الشفوي الأنثوي الذي حفرت أخاديده في رواياتها "نساء الجزائر في بيوتهن" (Femmes d'Alger dans leur appartement) و"بعيدا عن المدينة" (Loin de Médine ) و"رحب هو السجن" (Vaste est la prison) ، وفيها جميعاً كان للتعددية سلطان وغلبة.
إنها تعددية الأساليب، وتعددية الأصوات وتعدد اللغات التي تنصهر في ذوب الرواية، وهي إذ تفعل ذلك فإنها تجسد الحد الباختيني (2) لهذا الجنس السردي الحاضن الذي تولى، وبجمالية خارقة تنضيد هذا التعدد، إذ بث الحياة فيه ليتحقق وجوداً إبداعياً متميزاً، وبناءً أصيلاً يعلن عن هويته ومرجعيته من صفحاته الأولى التي حوت مصاحباته، ففي التنبيه تلفت الروائية الانتباه إلى كون: "جميع وقائع وتفاصيل حياة زوليخة ابنة مدينة طفولتي ، وبطلة حرب التحرير الجزائرية، قد نقلت بهاجس الإخلاص للتاريخ، أو لنقل وفقا لمقاربة وثائقية ... وقد استخدمت بمحض إرادتي حريتي الروائية، وتحريت الإنصاف حتى تكون حقيقة زوليخة أكثر وضوحا." (3)
وهكذا تعلن الروائية انخراطها في لعبة الكتابة انطلاقاً مما ظل يؤرقها دوماً وهو انتماؤها على الجزائر و تجذرها في هذه الأرض، و انبراؤها للكتابة عنها إنساناً وتاريخاً وثورة وحضارة ، منطلقة في الغالب من رصد إحداثيات حركة المرأة في هذا الفضاء "الجزائر".
ولا يعني هذا بأي حال من الأحوال أن الكاتبة تتبنى فكراً "فيمينيزميا" تصوغه خطاباً حقوقياً ترافع فيه عن المرأة، بل هي تسعى لأن تشيد بفعل الكتابة، وبفكر المثقفة، عالماً يسكنه وعي امرأة أجادت برهافة متناهية الإنصات لعذابات الإنسان ومحن الأوطان، تحفه رغبة أكيدة في الإسهام في الكشف ليس عن مواطن القصور والانكسار، وإنما عن مواضع الشموخ، و مراتع البطولة. وصادف أن تكون خيوط حياكة هذا الوشيّ البديع بيد "المرأة التي لا قبر لها".
ومن هنا نستطيع أن نفهم ما صرحت به "آسيا جبار" في حوار أجرته معها إحدى الصحف الألمانية سنة 2000 لما قالت: " أنا لا أكتب عن الجزائر، ولا أكتب عن النساء، أنا أكتب وكفى... أنتم تريدون وسمي بالغرائبية، وهذا ما يزعجني." (4) Vous voulez m'éxotiser, cela me derange
إن ما يتسرب من هذا الخطاب ذي النبرة الغاضبة الحادة من حنق وعنف، يفسر إدراك هذه المبدعة ما تريد بعض الأوساط جرها إليه، ويبرر هذا التأبي على محاولات التصنيف أياً كانت الأردية التي يتزيا بها، ورفضها، وهذا جانب حاسم، الإيحاء بفكرة الغرائبية l'éxotisme التي تتحول معها إلى تجسيد منظومة استشراق مقلوب أو استغراب موجه، ومن ثم تحويل كتابتها إلى تحقيق ضرب من الترف الفكري والإبداعي المتكىء على فكرة كشف الغريب والممتع في الجزائر، متوسلة لذلك رسم صورة للمرأة فيها على النحو الذي يهدهد أحلام قارىء غربي، فيحلّق به في عوالم ساحرة بغرابتها، وينقله إلى أرض الدهشة، بصرف النظر عن وقائعية المحكي أو تخييله، وهو الأمر الذي يُشبع لديه إحساساً بالتميز، ويرضي رغبة تتملكه في الزهو بتفوقه الحضاري على حساب بداوة ممتعة ببدائيتها، ممعنة في الانغلاق والجمود.
وفق هذه الرؤية الرافضة كتبت "جبار" روايتها، عادت فيها إلى ذاكرة جماعية، استعصت على النسيان، وتحررت من إسار الخوف، وتطهرت من أوزار الصمت والتواطؤ.
آثرت أن تمهد بتوطئة تعانق فيها المرجعي بالمتخيل، أحالت فيه على دور الوساطة الذي أدته بامتياز بين الثقافة المخزونة وقنوات إشاعتها، بين اللغة الشفوية المتناقلة بين الأفواه والآذان، إلى اللغة المكتوبة التي تتجاذبها الحروف المرسومة على هيئات منسجمة تنشر الحضور وتطارد النسيان.
في التوطئة، إذن، تعرِّفُنا، الأنا الساردة، على "زوليخة" وتحكي لنا قصة تعرُّفِها عليها، تروي بالكتابة واقعة اللقاء بعد طول الانتظار، إنها ابنة البطلة التي ألقت بالمسؤولية على الساردة "الزائرة" معاتبة إياها على التأخر في المجيء، وعلى التأخر في المعرفة، وعلى التأخر في الكتابة، وفي أكثرمن موضع تتوجه إليها مخاطبة: "انتظرتك.. انتظرتك لسنوات، ولم تحضري إلاّ الآن" (5) و" لقد انتظرتك كل هذه السنوات" (6). وهنا تأتي الإجابة من الساردة صارمة: "فلنتكلم، فلنبدأ" (7).
إنه إعلان الكلام والإغارة على الصمت، إنه بيان بدء القول الذي ينطلق من التوطئة مجملاً عاماً، زوليخة (8) أم المجاهدين وبطلة "سيزاري دو موريطاني"(اسم المدينة القديم الذي تحول إلى "شرشال") (، بصوتها نسمع فاجعة "زوليخة" ابنة المزارع المولودة سنة 1916، أول مسلمة حاصلة على شهادة الدراسة الفرنسية في منطقتها، تتزوج في سن السادسة عشرة بعد أن يترك لها والدها الحرية في اختيار زوجها الذي يفر إلى فرنسا بعد نزاع نشب بينه وبين أحد المعمرين ولا يعود، تذهب للعمل في مدينة البليدة وتضطر لأن تعهد بابنتها منه إلى إحدى قريباتها، إنها ابنتها الكبرى التي تذكر اليوم بفخر أن أمها كانت تمثل الاستثناء بين نساء مجتمعها، فهي التي تحدت المعمرين، زاحمتهم في أرض السيادة التي يتحصنون فيها، استفزتهم في لغتهم، تروي هذه الإبنة حادثة طريفة حدثت ما بين 1939- 1940 ، فقد كانت زوليخة ذات يوم مارّة في الطريق حين ابتدرها أحد أبناء المعمرين مغتاظاً ساخراً في آن:" لو أعطيت الآن سلاحاً لكنتِ أول من أبدأ بإطلاق النار عليه. فكان ردّها مجلجلاً:" هناك، أنتم تضعون أهل شمال أفريقيا في الخطوط الأمامية، على فوهات المدافع، إنهم الآن يقاتلون من أجلكم ، وأنتم ؟؟؟ ألا تخرجون من تنورات أمهاتكم." (9)
وفي البليدة تتزوج زوليخة، عن حب، من ضابط جزائري في الجيش الفرنسي وتنجب منه ابنها "الحبيب" (صار وطنيا وأعدم قبل أمه) ويحدث الطلاق بعد خلاف في الموقف السياسي.
في 1945 تتزوج للمرة الثالثة من أحد وجهاء مدينتها وهو رجل متدين ومتسامح "عدي الحاج"، يتوفى وكان لها منه طفلان.
وعلى الرغم من تعلقها بأبنائها، فإن التزامها بقضايا وطنها كان أقوى، تصعد إلى الجبل سنة 1957 وتترك إبنيها الصغيرين في حضن أختهما الكبرى.
تشكل تنظيما مقاوماً من نساء المدينة المتضامنات مع الثورة، وتوكل إليهن مهمة جمع الأموال والمؤونة والأدوية على أن تتولى هي نقلها إلى الجبل حيث كان أربعون شاباً في انتظارها، كانت أماً رمزية بالنسبة إليهم.
تقبض عليها السلطات الفرنسية سنة 1958، ويتم توقيفها واستنطاقها، وتسلط عليها ألوان من التعذيب على مرأى من الأهالي، ولكن جلاديها لم يعيدوا جسدها إلى أهلها.
لم تكن زوليخة متميزة بسبب التحاقها بالثورة، بل إنها، وقبل اندلاع الثورة، تصنع الحدث في القرية بجرأتها في الحق، فقد حدث وأن كانت زوليخة ذاهبة إلى حفلة، وهي ترتدي لباسها التقليدي، فإذا "هي تصطدم في طريقها بإحدى نساء المعمرين التي تنتهرها قائلة: ماذا هناك أيتها الفاطمة؟ فردت زوليخة في براءة، وقد كشفت عن وجهها: وماذا هناك يا ماري؟ وههنا لم تستطع المعمرة المالطية أن تخفي اشمئزازها وصلفها: أتنادينني ماري؟ ما هذه الجرأة؟ فتجيب زوليخة في هدوء وكأنها معلمة تلقن درساً : أنت لا تعرفيني وتحدثينني بصيغة الأنت (vous me tutoyez) ثم إنني لا أدعى فاطمة، كان بإمكانك مخاطبتي ب"مدام"، أليس كذلك؟ تجمهر كثير من الناس الذين تعرفوا على السيدة "عدي" التي أعادت البرقع على وجهها وغادرت الجمع وكأنها ملكة." (10)
بهذه الحادثة تختم التوطئة، وبها أيضا تنتهي قصة زوليخة لتنفتح على أصوات نساء، وإن اختلفن في نوع الآصرة التي تربطهن بزوليخة وتباينّ في طرائق استدعائهن للذاكرة، فإنهن اشتركن جميعاً في حبهن لزوليخة وإعجابهن بها، إنهن يحرصن جميعاً على القول، على فعل التطهر بل التحرر من أوجاعهن.
إنها أصوات تتناوب الحكي، لا تتقاطع ولكنها تنسجم، لا تتداخل ولكنها تتناغم، صوت الأنا الساردة التي تتقدم أمامنا زائرة شاهدة، ومحاورة موثقة، صوت يشارك في المحكي يضطلع بمهمة الوصف بالصوت والصورة، ينقل، يستنطق في اقتضاب، يواسي في صلابة، يواجه صوتاً متردداً متقلباً يطالب بالحق في الاحترام لما تتحول بطولة الأم إلى صور تنقل عبر التلفزيون بطريقة عشوائية في مواقيت تقتل أكثر مما تحيي، إنه صوت "هنية" الإبنة الكبرى لزوليخة التي ترفع عقيرتها لتكرر سؤالاً مفجعاً يخترقها نصلاً حامياً بعد رحلة بحث طويلة:"أين أجد جسد أمي؟" ويتضاءل أمام صوت "لالة البية" أو كما تدعى "السيدة اللبؤة" (Dame Lionne) الذي يعلو حيناً، و يهمس حيناً آخر في حضور صوت "مَيْنة" البنت الصغرى لزوليخة التي تجيد الإصغاء لتلقط التفاصيل، وترصد الحركات المرتجفات الدالة والموحية لهذه اللبؤة التي كانت ذات يوم، وقبل أن تتوب، عرافة المدينة، هي التي عَرِفت زوليخة عن قرب، كانت مستودع أسرارها، وموضع ثقتها.
تتبارى هذه الأصوات ، تنفتح شهية القول، تشرع أبواب البوح على مصاريعها، تغدو الرواية فضاء يحتضن الماضي الحاضر، وهنا يتسلل صوت زوليخة في مونولوج بعنوان "من أعالي سفوح سيزاري"، وهو موجه في عمومه إلى ابنتها الصغرى "مَيْنة"، إنها تستدرك ما لم يفت أوانه بعد، تسرد على مسمع الإبنة القصة من منظور مختلف، فثمّة إغراق في استبطان الذات، وإمعان في تصوير عنفوان المرأة في أشدّ المواقف إيلاماً و مرارة، إنها، وهي تعذّب وتهان وتسحب في الأغلال، ترتاد مدارج البطولة والتألق، تتحسس الإشراقات التي شعّت من كل مسامات الجسد، شفّت عن إحساس رهيف بالخفة والنقاء والشفافية "لما أخرجوني من الغابة، وتجاوزت خط الظل، لم يشد انتباهي تجمع القرويين في حركة نصف دائرية، وقريباً من رؤوسهم تحلق مروحيتان أو ثلاثة، مطلقة أزيزها، لا يا عزيزتي، يا كبدي الخافق، إنّ ما تراءى أمام وجهي وعيني وجسمي المتعب بأكمله (لم أحس منذ أيام وليالي بالتعب)، هو النور...كما لو أنّ الملاك جبريل كان سيرفعني، سيُحلّق بي على رؤوس القوم المتجمعين وعلى رؤوس العساكر المتسمرين..." (11)
بنشيد الحب المفعم بالفرح المضيء تسرد "زوليخة" بعضاً من حياتها، نِتفاً من سيرتها، بل إنها تستكمل سرد الحاكيات الأخريات عنها، توجّه بشعرية عالية، مصقولة بوهج التسامي، وصية إلى الإبنة الصغرى تحمّلها أمانة الصوت: " حافظي عزيزتي على هذا الصوت، إبقي عليه، إن صرخ ذات صباح، خارج الغابة، سيصلك يوماً ما، ولا تنسي هذه الشمس وهم يقتادونني." (12)
إنّ تقصي أنحاء النظر في الحوارات الداخلية الأربعة (المونولوجات) التي تخللت الأصوات النسائية الأخرى، يوقفنا على صيغة بنائية مركزية في نص "جبار" هذا، وهي الاهتمام بالصوت وتمظهراته، واهتزازاته، وموجاته، فهي تغدو وتروح بين الكلمة المجهورة إلى الغمغمة، بين الهمس والصراخ، بين الغناء والنحيب، بين الشعر والنثر، وفي كل هذا كان الصوت النسائي منبع إلهامها، كانت هيئته وحرارته هي أداتها في الحكي والاتصال، وسلاحها لإثبات انغراسها في حضارة تقوم على المشافهة، إنه حنينها إلى الثقافة الأصلية التي ابتعدت عنها باكتسابها اللغة الفرنسية، ولعل أبرز ما يقوم دليلاً على ذلك هو عزوفها عن ممارسة فعل القول بوصفها ساردة، كانت تؤدي دوماً دور السامعة بامتياز، والمرة الوحيدة التي مارست فيها حق القول كان مع مَيْنة إبنة زوليخة لمّا كانتا تتناقشان وتبديان آراءهما في الحياة والحب والأمل.
ويحسن بنا أن نشير في هذا الموضع إلى قضية هامة ذهب كثير من النقاد إلى تأكيد حضورها في كل كتابات المرأة المغاربية بوصفها تيمة مهيمنة وهي هموم المرأة المختزلة في علاقتها بالرجل، إذ يقول أحد الدارسين الباحثين في الكتابة الروائية النسوية المغاربية: "وتعمد المرأة الكاتبة في سياق كل ذلك إلى تصوير خصائص الأنوثة في بعديها: الشعوري من خلال إفصاحها عن عاطفة الحب الذي تكنه للرجل والعشق الذي تخصه به، والحسي باللجوء إلى فنون من التلميح تفرضها ضوابط البيئة والأعراف." (13)
لامست كاتبتنا فعلاً ما يؤرق المرأة في علاقتها العاطفية بالرجل من خلال ما روته إبنة زوليخة الصغرى مَيْنة عن علاقة حب فاشلة كانت ربطتها ذات يوم بزميل لها في الدراسة أحبته فلم يستطع أن يستوعب هذا الحب ولا أن يتجاوب معه، كما أشارت من بعيد، وباقتضاب إلى تجارب زوليخة وطبيعة الصلة التي ربطتها بالرجل عموما في زيجاتها الثلاث، لكنها أبداً لم تقف لتثمير ذلك لتفضي، وبخطابية سافرة، بمكنونات مخبوءة أو مكبوتات مقموعة على النحو الذي ألفيناه في عدد غير قليل من الكتابات التي خطتها أياد وصفت، على سبيل المجاملة بالناعمة، ,وإنما عرضت للأمر بوصفه مما تتشكل حياة الإنسان منه، أما الغرض فلا يخرج عن دائرة تحريك السواكن التي دأبت الروائية على التأطر الاختياري ضمنها، والانخراط الواعي في لعبتها، وهي إذ تفعل ذلك، فإنها لا تغازل جهات بعينها بأن تصور عذابات نفسية لامرأة غاية ما تهجس به كشف تفاصيل علاقة غامضة أو معقدة أو ممنوعة تربطها برجل ما، أو تنصّب نفسها، بوصفها مثقفة ومبدعة، وصيّاً على بنات جنسها، تنقل آمالهنّ، وتنشر أحلامهنّ، وترثي لحالهنّ، وتجهر بمسكوتهنّ، وتعرّي ما استخفى من شأنهنّ، كلاّ، لم تكن "جبار" تستمرئ هذا الدور الذي نهضت به بعض اللواتي سخّرن أقلامهنّ لمثل هذه المهمّات، لسبب يبدو بسيطاً وهو إيمانها بأنّ المرأة ليست ذاتاً منعزلة، وليست عنصراً منفصلاً ينبغي التعامل معه بخصوصية، وإنما هي جزء من منظومة وجودية عامة تحتويها هي والرجل على حد سواء، ويترتّب عن ذلك تكامل لا تنافر شرط أ ن يعي كل منهما دوره ومسؤوليته ووجوده وهويته.
ويُستصفَى مما تقدم أن "آسيا جبار" وإن سافرت قسراً إلى منافي التعبير باللغة الأجنبية، وإن خرجت عن سرب مجايلاتها في تعاطيها مع السياسي والوطني والثوري والإنساني، فقد ظلت تركح في كتابتها على بعد الهوية، إنها آمنت أن الهوية لا تني تتعمق إذ تساءل.
الهـــــوامش:
انظر كتاب تودوروف "شعرية النثر" الصادر عن دار "لوسوي" باريس.
كانت الروائية، وهي سينيمائية، قد أنجزت شريطا وثائقيا تعرضت فيه لبعض حياة بطلة روايتها، وقد أشارت في توطئة الرواية إلى هذا العمل الذي أهدته إلى روحها.
1 ـ محمد صديق، الكتابة بالعبرية الفصحى، ألف مجلة البلاغة المقارنة، عدد 20، سنة 2000، ص155.
2-Mikhail Bakhtine,Esthétique et théorie du roman, -Editions Gallimard,Paris,1987, p87.
3 – Assia Djebar, La femme sans sépulture,Editions Albin -Michel, Paris,2002, p9.
4- Régina Keil Sagawe, Quelques observations autour de la réception d'Assia Djebar en pays de langue Allemande, in La réception du texte maghrébin en langue française, Editions Cerés, Tunis,2004, p235.
5-Assia Djebar, La femme sans sépulture,p13
6 ـ المصدر نفسه، ص 14.
7 ـ المصدر نفسه، ص15.
8 ـ تقع شرشال غرب العاصمة الجزائر و تبعد عنها ب 90 كلم وهي مسقظ رأس الكاتبة آسيا جبار. وتعد من أجمل المدن الجزائرية الأثرية كانت شرشال مدينة فينيقية تسمى بـ(إيول) وأزدهرت المدينة في عهد القرطاجيين ويعتقد الكثير من العلماء أن شرشال كانت مستعمرة مصرية في منتصف الألف الثانية ق.م (1500 ق.م). وظهرت في منطقة شرشال بعض القيادات لحركة المقاومة الشعبية الجزائرية، مثل محمد بن عيسى البركاني فقاتل وقتل في معركة "الزمالة" سنة 1250هـ=1834م، وموسى بن علي بن حسين المصري الأصل والشهير بالدرقاوي أو "بوحمار"؛ نظرا لأنه كان يركب حمارا وهو يتجول بين القبائل لحثها على الجهاد.
9 ـ المصدر نفسه، ص . ن.
10 ـ المصدر نفسه، ص24.
11 ـ المصدر نفسه، ص67.
12 ـ المصدر نفسه، ص 72.
13 ـ بوشوشة بن جمعة، مختارات من الرواية النسائية المغاربية، المغاربية للنشر، تونس، 2002، ص5.
|