يرجى من جميع الكتاب والباحثين وأهل القلم ممن يرغبون نشر نتاجهم في المجلة أن يأخذوا بالاعتبار أن تكون المادة تنشر للمرة الأولى.. وشكرا
[ الآراء والمواقف المتضمنة لا تعبّر بالضرورة عن رأي المجلة ]



قراءة في كتاب

 قراءة في رواية  

بقلم : هيام الفرشيشي – تونس

هيام الفرشيشي

رواية " ليالي القمر والرماد " (1) للناصر التومي هي رواية واقعية - رمزية في آن . فالمكان يكتسب قيمته التعيينية، ويقترن بالحدث الذي يتجاوز الحدث الواقعي إلى حدث ذي شفرة مخصوصة داخل الرواية، والمكان المجزأ إلى أمكنة يحيل إلى فكرة بُنيَ عليها النص الروائي وجعلها المحور الذي يستقطب الأحداث ويصهرها .

وتتسم رواية «القمر والرماد» بتعدد «علامات الألغاز والترميز والتلميح»، مما يحوّل النص الى حقل للرسائل المشفرة من خلال اللجوء الى «توظيف الأسطورة»، و«توظيف لغة التصوف» في مغالبة القدر، وتوظيف "مأساة فاوست" لغوته، لذلك خرجت هذه الرواية عن سياق الواقعية التسجيلية ومزجت بين التاريخ والأسطورة (أسطورة الانبعاث من العدم)، وقد تناسلت منها أساطير اغريقية وفينيقية وعربية إسلامية .

والرواية ولئن أرّخت لفترة الثلاثينات والأربعينات من القرن الماضي في تونس، فلم تبد كوثيقة على العصر على غرار روايات الناصر التومي اللاحقة، بل مثلت عملاً روائياً تخييلياً، زاخراً بالإشارات والرموز الصوفية والروحية التي تضمّد الجراح الإنسانية العميقة . وقد عبّر المكان الرمزي عن التجارب بواسطة الرمز والإشارة والتلميح بحثاً عن مثالية تملأ الفراغ الروحي . وذلك نتيجة التمزق الذي عرفته شخصيات الرواية وغياب الحقيقة . والبحث عن عالم روحي يسد الفراغ بالرمز والايحاء .


الفضاء المكاني في " ليالي القمر والرماد "

 تحددت أنواع المكان الروائي وأبعاده وعلاقته بالفضاء الروائي من خلال الأمكنة الموضوعية الواقعية والنفسية والأسطورية في رواية " ليالي القمر والرماد ". فرغم ما تعج به من وصف للأمكنة في القرية والمدينة، فقد تمثل الوصف عنصر من عناصر صنع الفضاء، فوصف الأمكنة أرضية أولية يفترضها بناء الفضاء، ولكن شخصيات الرواية : الشيخ خليفة، وعبد العزيز وفاطمة والطفلة عائشة في ما بعد تخترق المكان ، وتتفاعل معه وتعيش فيه بطريقة مغايرة، ليتحول تعدد الأمكنة إلى المعيار الأهم في بناء  الفضاء الروائي .

الأمكنة الواقعية في رواية " ليالي القمر والرماد " مشحونة بالرموز، تتجاوز الأمكنة وظائفها كإطار مرجعي للأحداث إلى رموز تتصل بمكونات الواقع الموضوعية، ويمكن تناولها من خلال الأماكن الرموز التي مثلت أساساً لمخاوف الإنسان والتي يمكن فك شفراتها المغلقة عبر الحكايات الشعبية الواردة في الرواية ( علي ابن ابي طالب، عنترة، إبن أبي يزن) ومن خلال الخرافة (خرافة السعلاة والقصر المهدم في الأطلال)، أوعبر الأديان (الصراع بين الإنسان والشيطان داخل الشخصيات) . وهذه الأمكنة الرمزية تثير أحاسيس وأفكار شخصيات الرواية بطريقة مناقضة للشخصيات الواقعية الملتصقة بها، ومن ثمة تستحيل إلى أمكنة رمزية داخل الرواية لأنها تعبر عن قلق الشخصيات الدائم وصراعها ضد المكبلات القدرية .

ففي " ليالي القمر والرماد " يتحول الحيز إلى فضاءات النص المكانية، حيث الحيز الجغرافي الذي يتراوح بين العلووالانخفاض في القرية  والحيز العجيب في الكرامات الصوفية والأساطير في قرية المرناقية ،  والحيز الهندسي في أزقة المدينة العتيقة . فهناك تحييز جغرافي وهندسي وتحييز أسطوري، وكل هذه الفضاءات تتفاعل مع الشخصيات التي تختلف علاقاتها بأبطال الرواية من دائرة مكانية إلى أخرى .

وقد رسمت هذه الفضاءات المكانية من خلال لغة رمزية تتجاوز المعنى الظاهر إلى المعنى الباطني أوالمشفر الذي يتنافذ مع الحدث . لذلك كانت "ليالي القمر والرماد" مجموعة من اللوحات التي تتراوح بين البياض والسواد، ذلك أن الكاتب قد شطر فضاءات الروايات إلى نصفين ولونين ليصور الحركة التي تترواح بين السكون والتنازع . ولتصور الصراع المختلف المستويات . فهوصراع مع عقلية أهل القرية في القرية وهوصراع مع المستعمر في المدينة وهوصراع بين الروح والمادة في قرية المرناقية .

ملامح المكان في القرية

1 - القرية كمكون هندسي

 القرية كمكون هندسي تلتصق بالشخصيات والأحداث، فالفضاء المكاني هوهذا الكل الشامل لهذا الحيز  الهندسي - الاجتماعي في آن، فالقرية تتكون من الديار المتناثرة المكونة من الحقول والبيوت والدكاكين التي يلعب فيها الورق، وزاوية الولي الصالح سيدي الناصر أين تقام الحضرة، والأطلال المكان المهدم الذي حيكت حوله خرافة السعلاة : وحيث تتحول الأطلال إلى مكان مدنس في نسيج الرواية حين يواقع منصور الفتاة فاطمة في الأطلال حيث سقطت مغشيا عليها، فأصابته لدغة حية ومات مسموما، وتوجد المقبرة التي تضم أجساد أهالي القرية المدنسة بالأخطاء : " أيتها التربة الطيبة، إنك تضمين إليك جسدا دنسا من رحم الأنوثة والطهر والعفاف " ص70، والسجن الذي اقتيد إليه عبد العزيز الزيتوني المناضل من طرف الجندرمة . وتتكون القرية من منارة الشيخ خليفة أين يكمن نور الحقيقة ...


2 - القرية كمكون خرافي - رمزي

القرية فضاء واقعي للانغلاق وفضاء رمزي لحضور الخرافة وهي خرافة مقترنة بأساطير اللعنة الأولية . وتلتصق الخرافة عبر الأطلال التي تذكر الشيخ خليفة بأساطير الأولين " إن الأطلال تذكره بأساطير شيوخ القرية الأوائل وحتى المعاصرين له الآن، رجلاها في الأرض ورأسها في السحاب، أرادت بناء هذا القصر، وطالت مدة البناء ولم يصل إلى ركبتيها فغضبت ورفست أعلاه فسقط منه ما سقط  وبقي ما بقي " ص55 . والخرافة هي مصدر الخطأ " وكم حاول معرفة المصدر الذي استمدوا منه هذه الخرافة، ولما اطلع على تاريخ هذه الأرض عرف الحقيقة التي سجلتها يد الإنسان غير قادر على بناء هذا القصر .. إن هذه العقول نتشد نبيا جديدا حتى يهدم كيانها المتجبر وجهلها المطلق " ص56 . فالتأشير الرمزي للمكان يشير إلى الدنس وعدم التطهر إلا بالنار، النار التي تستأصل اللعنة، وهي نار الخلود ودوام الفعل : " إن هذا المكان تسكنه اللعنة ولا بد أن يتطهر من الدنس وإن النار لكفيلة بالقيام بهذه المهمة " ص54 . والخطر الأساسي الذي يتجسس على هذا العالم هوخطر عام يشمل عالم الإنسان الذي حول فيه المدنية إلى خراب بحروبه العالمية المدمرة : " والغريب الشرير الساكن ثقوب هذه الأطلال وتحت صخورها حيث تسكن الحيات " ص54 . فالمكان يؤشر إلى اغتصاب الأرض من قبل المستعمر فتدنس ويدلل على غياب الإلاه وحل محله الإنسان المسخ، وهوالسعلاة وفعلها العبثي المدمر . ويشير المكان إلى أخطبوط الخرافة ونور المعرفة الروحية مجسدة في الشيخ خليفة فهي مزيج من الضوء والعتمة . فالعتمة تجر أهل القرية إلى التفكير الباطل عكس الشيخ خليفة .

والقرية التي تحولت إلى أرض دنسة على ضوء الحدث الاساسي في الرواية هي التي تتسع لمنارة الشيخ خليفة التي تقبع خارج دائرتها في مكان منزوومرتفع، هي ملاذ للتعبد وملاذ لفاطمة للتطهر في أقدس مكان في القرية وملاذ لعبد العزيز الذي اصطدم بأهالي القرية وانتقد طريقة عيشهم . هي القرية كمكان مفتوح على الموت والإبادة لحركة التاريخ، ففعل الابادة والمحوهوالذي طغى على هذا المكان الذي لم يعد مفتوحا على التاريخ بل على مأسوية اللحظة التاريخية .

وهي القرية كفضاء لعلة الانطفاء حيث تحول المكان إلى دائرة عبثية " كان الشمع ينساب في تثاقل، يخلف أرضا وعرة بالنتوءات والأخاديد بعدما كانت ملساء، حتى إذا قضى اللهب على النصف الأعلى، بدأت تظهر تورمات يخضع لها الجذع، لينصهر بدوره كلما اقترب اللهب، بينما الأخير لا يبالي بالنهاية التي تتربص به، سيحترق الفتيل ولن يجديه نفعا تلك الفقاقيع الشمعية " ص65 .

والانطفاء يحمل ضمنيا دلالات أسطورية وصوفية تدلل على التجدد الروحي بإدراك الموت، لذلك وفاطمة وهي تستعد للرحيل إلى المدينة " تحلم بالمدينة، بالأرض الجديدة " ص84

فالقمر في القرية ساهم في تشكيل شخصية الإنسان، والمقبرة تحدد مصيره، والأطلال تشير إلى الجنس المحرم، وأعلى الجبل ومنارة الشيخ خليفة النور المنتشر، والقرية بين العلووالمننخفض تعبر عن العزلة والانفتاح على الذات وعلى الرحيل، وضريح سيدي الناصرعن انكتام الأنفاس والمسخ .

3 - الوصف التعبيري

لوعدنا إلى فضاء القرية سنجد الوصف التعبيري الذي ينطلق من الذات والذي يتلون بتلون الشخصيات . ومكونات القرية وقع النظر إليها انطلاقا من باطن الشخصيات والتعبير عما يجول في الذهن عن ارتسامات حول المكان الذي لم يعد يتسع للأفراح وذكرى عاشوراء بل يتسم بالقتامة، قتامة الفضاء وقتامة الأفعال المرذولة في ذلك الفضاء : " قبع عبد العزيز في مكانه يحدق في القرية الجامدة من كل حركة .. وتراءت له زهرة القرية تلبس السواد وتقتحم عالم الشيخ خليفة المثالي في بكاء ونحيب، وكانت تخمينات وصور مرذولة، وهواجس محمومة " . القرية كفضاء تنعدم فيه الحركة وتذوب فيه بوادر الحركة حيث يرى عبد العزيز القرية في قبضة مغتصب ويرنوإلى ايقاظ أهل القرية من الغيبوبة الدائمة، وحين علم بمأساة فاطمة صارت القرية أكثر انغلاقا وهي تبتلع سم الدنس وتفقد براءتها عبر فعل الاغتصاب : " ويقترب الجسد العاري من أرض القرية ببطء مخيف، حتى إذا ما لمس بطنه أعالي أشجار الصنوبر ارتفعت القرية حتى البطن الذي فتح ثغرة به، وولجت القرية من تلك الثغرة التي سرعان ما أغلقت بعد عملية الولوج مباشرة، لقد فقدت القرية براءتها " ص4 . لهذا صارت القرية فضاء منفر: " هال عبد العزيز المشهد حتى كره النظر في القرية " ص4 .

 وتحول المكان إلى مقبرة على سبيل الاستعارة، ففاطمة التي عاشت في بيئة القرية المنغلقة والتي وجدت في حضور حفلات الأعراس فسحة من الأمل سيما وأن منصور كان مغني الاعراس، فهذه البيئة ازدادت انغلاقا وقيدا إثر حملها والقتل يتهددها فتحول المكان إلى مقبرة على سبيل الحقيقة والاستعارة .

  والقرية فضاء شاهد على توقف التاريخ في أذهان الكائنات الميتة، والمقبرة لم تعد ترابا يواري الجثث الساكنة، بل تضم الأحياء الراقدين الذين رجت منهم فاطمة اليقظة والانبعاث من جديد : " قابلتها القبور منتشرة، تحف بها أشجار الصنوبر وهالة من القداسة ترفرف على كائنات حية وأخرى ميتة، صمت قدسي أشبه بقداسة المساجد والمعابد، هزتها رهبة في هذا البياض الذي اصطبغت به القبور ومن هذا السكون الموحش . في هذا المكان ترقد خلائق فقدت الحركة، وأراها أهلها التراب بين عويل ونحيب وبين تراتيل الشيخ خليفة " ص3.

تتحول القرية إلى إناء للشحنة الدرامية ولتأمل الموت وربط الأحداث بالقدرية والسلطة الإلاهية، والعودة إلى زمن الفجيعة التي أفقدت الخلائق الحركة وتوقف التاريخ مقترن بثقل الشحنة الدرامية . وتتحول القرية إلى ذاكرة للمأساة حيث يبدأ زمن السرد بالاحتفال بعاشوراء في البيت وفي فضاء القرية .

وبما أن القرية تنضوي على هامش لنور الحقيقة فهي تترك هامشا للاحتفال والفرح أيام عاشوراء " الليلة مقمرة، القرية مشتعلة، صراخ الصبية وضحكهم يتعالى من هنا وهناك  .. والقرويون يتسامرون في البيوت، الليلة ليلة عاشوراء، كل البيوت منارة، والأسمار تزخر بحكايات جديدة وخرافات وهزليات " ص8، فالاحتفال مقترن بالانبعاث والتجدد . وبين الموت، موت منصور، والموت المعنوي لأهل القرية وبين دنس الاغتصاب وروح الفضلية تتلون الأمكنة في القرية . فهي تكتسب صبغة واقعية وأخرى رمزية ليخرج المكان عن رتابة الواقع وتروى الأحداث بصورة رمزية  .

والوصف مقترن بالمكان وبالأشخاص الذين يعيشون فيه ويشكل لهم المكان فضاء للذاكرة التي تقترن فيه الاحتفالات بالفجيعة وحكايات الحروب والبطولة، وفضاء للحاضر الذي يخترق فيه الشيخ خليفة عقلية أهل القرية بالنزعة التصوفية، وتخترق فيه فاطمة عادات أهل القرية باقتراف الخطيئة ويخترق فيه عبد العزيز جبن أهل القرية بنضاله ضد المستعمر . لذلك يقترن الوصف بلحظتين ملتحمتين : لحظة الحياة والموت، والنور والظلام، والسواد والبياض، والقدسية والدنس . وذلك الاتحام بين النقيضين هوالذي سيشكل لحظة مفارقة تقود الشخصيات إلى مغادرة ذلك الفضاء المكاني نحوفضاء مختلف .

4 - القرية كمكان أبوي

تبدوالقرية مصدر معاناة لمن عاشوا تجربة مفارقة لأهل القرية، وهذه القرية التي تستمد حكاياتها من خلال الذاكرة الحربية، فهي تمجد النزعة الذكورية التي تقوم على المشاحنات المصغرة في دائرة صغيرة لا تتجاوز مركزها وذاكرتها . فأهل القرية متقاعسون عن الفعل التحرري ويكيلون العداء للمناضلين ويشون بهم للجندرمة . فهم يمثلون صورة رمزية للأب الذي يناصب المناضلين العداء بما أنهم صورة مكررة للمستعمر وتسلطه، وهذا المكان الأبوي هوالذي يقضي بهروب شخصيات الرواية إلى واقع قد يترك لهم المجال لتجسيد الحلم الغائب .

ولئن اقترنت ذكرى عاشوراء بموسم التجدد واحتفالات اجتماعية أكثر منها دينية، ولكن الحكايات المقترنة بهذه الذكرى في القرية مرتبطة باسترجاع مآسي الماضي فالحكايات تعود إلى معارك القبيلة الحربية وحكايات عنترة وموت الحسين الذي أدى إلى الانقسامات بين المسلمين، وعاشوراء تقترن عند أهل القرية بحكايات الحرب والقتل، فهي تأشير لواقع القرية كأنموذج لمجتمع قبلي : " العائلة الأكبر عددا في عنصر الرجال هي التي تحكم وتسيطر وتتجبر، وتهابها كل العائلات التي دونها عددا، وإذا حاول رب عائلة صغيرة التمرد فالويل له ولن يترك إلا وهوخاوعلى الأرض......وإذا صادف أن تخاصمت عائلتان كبيرتان فلابأس من الاستنجاد بالجندرمة التي ستقبل بعد يوم أويومين لتجد أكثرهم صرعى وهم بين الحياة والموت  .. وهكذا كانت الحياة وكأنها سلبت العقول وبقيت الغرائز " ص22 .
 

  وظيفة المكان في المدينة

المدينة كمكان هندسي، هي خلفية لحركة الشخصيات والأحداث، ويشكل مركز المدينة نواة خصبة للحركة والصراع حيث للحركة وظيفة مؤكدة " انكمشت فاطمة في مجلسها وراء السائق تحدق في البناءات والعربات التي تمر بها والحركة التي على أشدها في ذلك الصباح . احتواها عالمها الجديد المتقد حركة  ولم تعرف بالضبط وظيفتها فيه " ص90 . والمدينة كحيز فضائي يتسع للمعرفة، فالشيخ خليفة الذي نبذته عقول أهل القرية الجامدة أضحى ينظر له في مقهى الزليز بالمدينة بصورة التقي، الورع العالم بأمور دينه ودنياه في غير شعودة " مصححا بعض النواحي التي رأى فيها شيئا من البدعة فكان فيها نعم الرفيق والصديق " ص94 .  والمدينة حيز فضائي لوعي سياسي، حيث يؤم مقهى الجليز من يتجاذب هموم الحالة السياسية للبلاد . والمدينة فضاء للحركة الوطنية حيث انفتحت ساحات وأزقة المدينة على المظاهرات السياسية والإضراب العام في القصبة وساحة الحلفاوين، ونهج سيدي بنعيم .

ولكن هذا الانفتاح على الواقع الجديد الذي يكون فيه للمكان وظيفة للشخصيات ونسق الأحداث يسهم في بناء الرواية من خلال تقابل دلالات الواقع، فالمدينة تجسد أحداث القرية عبر المرايا العاكسة :

- المدينة كهامش لفئة مغيبة عبر تدخين التكروري وتعاطي النفة  . تتحول المدينة إلى فضاء لأحداث سياسية عواقبها موجعة، لتعبر تلك الأحداث عن ظاهرة حياتية تشوبها القتامة حيث فقد عبد العزيز البصر حين أصيب في هذه الأحداث بحجارة، فكان فضاء المدينة وعاء لذلك التمزق بين الأمل في الخلاص ولعنة الوجود، لأن المدينة بأزقتها المظلمة شكلت فضاء لروح متمردة لا تبصر .

- الحركة في المدينة تتوالد وتتناسل من رحم جسد نخرته الأمراض .

- المدينة كمكون هندسي معماري يحيل إلى الظلمة بأزقته وغرفه المظلمة فهويؤشر للضيق والخوف من المجهول " كانت معالم الغرفة مغشاة بسواد ليلي، وعجز المصباح عن الإنارة الكاملة، فبدأ متعبا مثقلا، يرتعش لهبه في احتضار الذي أشرف على النهاية " ص91

الرؤية في المدينة جزئية وغير متضحة المعالم فكان فضاء المدينة سببا لمعاودة الرحلة لتحرير الأرض من الروح الشريرة . فالمدينة فضاء يتسع للمأساة المتكررة بتكرر اللعنة حيث فقد عبد العزيز البصر ومرضت فاطمة بمرض خبيث، وأنجبت ابنتها عائشة في خضم تلك الأحداث، لتعبر أحداث أفريل المناوئة للاستعمار عن غياب النضج في الفعل السياسي : " غادرت العربة المدينة وشقت طريقها تتهادى وتتمايل براكبيها " .


الفضاء الواقعي والرمزي في قرية  المرناقية

تخرج شخصيات الرواية ( الشيخ خليفة، فاطمة المصابة بالسل، عبد العزيز الذي فقد البصر، الطفلة عائشة ) من فضاءات مغلقة :  فضاء القرية وفضاء المدينة، وتتجه نحوفضاءات مفتوحة . ففي حين كانت الفضاءات المغلقة مجالات لتصادم قطبين مختلفين . تنتهي الرحلة بقرية المرناقية لتترك مجالا للحلم المتخيل . فقد قامت الرواية على تقابل حقيقتي بين الحياة والموت في القرية والمدينة، ومثل هذا التقابل أساسا لحركة الشخصيات ترنوإلى واقع مكاني يتجاوز صورته الواقعية إلى صورته الفنية .

والفضاء الواقعي في قرية المرناقية المكون من الزريبة والحوش، والأشجار السامقة  يدل على الحركة بين الحركة والانفتاح، والتواصل بين الباطن والظاهر وفك القيد : " غادرت العربة الزريبة، وشقت طريقها وسط الأشجار إلى أن اختفت عن الأنظار في المنعرج خلف مئات أشجار الزيتون الممتدة طولا وعرضا حتى تلتصق بالسماء، تشذ عنها من عدة جهات أشجار الصفصاف والصنوبر تتمايل بكبرياء " ص 139

- يشير المكان إلى الطمأنينة " شعور بالاطمئنان في سكناهم الجديد " ص143
- الحقول : فضاء للفسحة والانعتاق والبشر والحركة.
- الكتاب كمعلم ديني : حركة فكرية معرفية  تعبرعن تجلي الإحساس الحدسي المدرك. " قراءة القرآن وحفظه بنفس التنغيمة والانحناءات " ص144 .
- الكتاب كمأوى للشيخ وعائشة حيث ابتدأت شعلة المعرفة الحدسية القوية .
- ضريح سيدي سعد، حيث أقيم الحفل الديني، وحيث التكشف على "لحظة الفناء والخلود".
- مقبرة سيدي سعد التي ابيضت بعضها أشجار الصنوبر الطويلة وهي تتمايل .
- مرعى هنشير جورج : حيث المكان وعاء لحدث تاريخي هوتمركز الألمان والطليان
- المكان الذي يشكل ذاكرة للفجيعة، وصوت الظلم والاغتصاب : " ولما صدمت بالمشهد صرخت في فزع وهلع صرخة دوى لها المكان " ص168 .

الفضاء الرمزي في قرية المرناقية : في قرية المرناقية ثمة تأمل للسماء، والشمس، والشفق الأحمر التي تكتسب دلالات رمزية - أسطورية : " عيناها محدقتان في شطر قبة السماء وكأنها ترجوغوثا ورحمة من بزوغ الشمس أومن الشفق الأحمر عند المغيب " ص170، وترقب البنت عائشة لبروز الشمس من الشفق الآخر ترتب عليه اختفاءها لتجدد روحها على صخرة " بين بين " تلك الصخرة التي يقف عليها طائر الفينق حيث تمثل رمزا " لشروق الشمس"، وهوتعبير عن تجليات اللهب في العوالم العليا وفق المنظور الصوفي .

كما نلاحظ انكشاف الرؤية على رؤيا المطلق حيث "لحظة الخلود والفناء" تنتهي بموت الشيخ خليفة : " ويمد بصره إلى البعيد، فوق كل المساحات إلى آخر خيط أرضي يلامس قبة السماء " ص149 ، وحيث انكشاف الجنة والوطن الموعود للحلم الإنساني كلما استمع الشيخ خليفة إلى صوت الحق ودحض الفعل الآثم للشيطان في شرور الإنسان وآثامه ومغالبة جنود المحور الذين كانوا يغتصبون فتاة وقاومهم أهل القرية . فالرؤية تحيل إلى التحرر وإلى تحرير الأرض من خطيئة الشيطان، وتحرر الوطن من المستعمرين .

 هي صورة خارقة للفعل لخارق، صورة أسطورية لدليل روحي في الحياة، بل هي لوحة الوجود الإنساني والفعل التاريخي،  لتبدوكصورة قابلة للتجدد والتكرر كلما تجسدت خبرة الإنسان في خلق وجوده من العدم : " فكلما برق البرق، ظهرت عائشة كأي شيء لامع، وقد استمدت من البرق نوره الخلاب " ص174 .


تعدد أنواع الخطاب

تداخل نصوص أسطورية  وصوفية وفنية  وتاريخية في " ليالي القمر الرماد "


توظيف الأسطورة

الأسطورة هي المقدّس، تروي الأحداث الخارقة وهي أحداث الخلق التي قامت بها الآلهة في الزمن الأول، زمن الخلق المقدس . وهي عند الياد تؤرخ «لأفعال كائنات خارقة » (2 )، " وأن هذا التاريخ يمثل مطلق الحقيقة لأنه في ارتباط بالواقع " (3) .

وقد اقترن ظهور الأسطورة في رواية «القمر والرماد» بظرف تاريخي متمثل في مرحلة الاستعمار الفرنسي واندلاع الحرب العالمية الثانية، لتحيل الى الرغبة في "التشوف الى عالم جديد وأرض جديدة على أنقاض الرماد والخراب" . فهي مرتبطة بتفاعلات واقعية ـ تاريخية . أما الرموز الأسطورية فهي تشير الى رموز الحركة الوطنية. فهي حسب الباحثة خالدة سعيد في صورة «البطل المنتظر الذي يحقق المعجزة أوالأب القادر على اختراق الموت» (4)، فظهور تلك الرموز الأسطورية في الرواية مقترن بالتصور الايديولوجي للكاتب، وفكرة «القمر والرماد»، تكاد تكون استلهاما لقصيدة أدونيس «البعث والرماد» التي مجد فيها أفضال طائر الفينق في كنه البعث واليقظة ليصير «الموت هوالطريق الوحيد لبناء العالم الجديد» (5) .

 1 ـ زمن الأسطورة : زمن الحلم

هوزمن تجسده الطفلة عائشة التي بعثت الروح في تمثالها «فإذ أمعنت فيها النظر خيل إليك أنك في حضرة تمثال فيه دفن ناحته طاقته الحزينة رمزا للحزن يقيم طقوسه آناء الليل وأطراف النهار، فكانت عائشة هي التمثال وهي الصانع» ص 169 .

فتبدوملامح الخلق في تحول عائشة الى إلاه قادر على بعث الحياة في التمثال الجامد الخالي من الروح، فالانسان هوذلك النحات في أسطورة بيقماليون، صنع التماثل لكن التمثال شحن بالروح وضخت فيه الحياة في زمن الحلم . وفي قدرة عائشة الفتاة الصغيرة على التشوف وعلى التكشف على الموت فحسب ارتباط بوضع تاريخي مخصوص .

والأسطورة المجسدة في صورة البنت عائشة هي تعريف بكونها «ليست مجرد وهم وأن لها علاقة بالواقع أوالحقيقة» (6)

وبما أن عائشة ولدت في خضم أحداث أفريل 1938 وزامنت وقائع الحرب العالمية الثانية، فهي رمز لانكشاف الفعل السياسي الحقيقي نتيجة احتضان أهل المعرفة لها (الشيخ خليفة) فهي موجهة فكريا وروحيا، لأن الأسطورة هي التاريخ الحقيقي للمجتمعات «وعد الأهالي العاصفة غضبة قدير، فباتوا يجلون الشيخ خليفة، وينسبون لعائشة البركة والمعجزة... فهم ينسبون الخوارق لبشر لم يسمعوا إلا بأسمائهم في الماضي السحيق، فما بالك بالذي يسير بينهم، يراهم ويرونه، حتى إذا صادف مرة أن صدق حدسه فانتظر منهم تقديسا يفوق الخيال فتقبل يداه ويقسم به من دون اللّه» ص173 .

 2 ـ تكشف الأسطورة على الانبعاث

عند موت فاطمة وعبد العزيز حرقا  وقع التدليل ضمنيا الى المكان القديم حيث القرية بأطلالها، مكان مدنس لا يتطهر إلا بالنار للتبشير بالعودة الى المكان الأول (قبل الخطيئة + الاستعمار)، كمكان للحلم والجنة المفقودة، وهوالمكان الذي تمثلته أسطورة الفينق (أعلى الصخرة)، فحين يهرم طائر الفينيق وينشئ محرقته في الغروب، فذلك لتشوف انبعاث الشمس من جديد، وبما أن فاطمة وعبد العزيز يمثلان عنصري الذكورة والأنوثة فهما يجسدان طائر الفينق في احتراقه، ويؤشران الى التجدد الذاتي وانبعاث الحياة من جديد، حيث الحياة تقوم على أنقاض الرماد لتحقق مشروع الحياة والخلق في مناهضة الهدم والفساد الأرضي، والتكشف على الموت حرقا تكشفا على أرض جديدة للخصوبة (الإخصاب الروحي) . ولما كان مكان التكشف على الموت في الولي الصالح "سيدي سعد" فللنار دلالة صوفية تتناغم مع الدلالة الأسطورية لأن نار الصوفي مقترنة بالشوق للانصهار في اللهب والتحام الجزئي بالكلي.

عتبة العنوان والنفاذ الى الأسطورة

اعتمد الكاتب على مسار صوفي ـ أسطوري لغاية تحقيق الالتحام الروحي بين النور والظلام، لذلك اقترن القمر بالرماد في رحلة ثلاثية الأبعاد (حيث السفر الأول) . فمجابهة الأقدار وعدم تناهي الجزء في الكل، ثم سفر ثالث حيث الرؤيا والتكشف، وتمظهر "لحظة الفناء والخلود"، وثلاثية الأسفار فثلاثية الفضاءات المكانية، وثلاثية الشخصيات مقترنة بثلاثية الحركة القمرية وظهور "القمر ثلاثي المراحل" حيث الآلهة «تغزل وتقبس ثم تقطع خيط الوجود» أثناء "اكتمال الدائرة القمرية" ومن ثم "تتداخل الأجواء العليا والسفلى" و"تلتحم الروح" إثر السقطة الأولى التي حبكها الشيطان، ليترجم الإنسان صراعه في عالم نسبي يقر بتناهيه، ثم اندماجه في عالم مطلق حيث الرؤيا والتكشف، فالاندماج في لهب النار، حيث الفناء والخلود، لذلك لا يمكننا أن نحدد هذا المسار الصوفي ـ الأسطوري دون التعرض الى الجانب الدرامي ـ المأسوي للانسان وهو"ينازع الوحش الأرضي" ويدرك أخطاءه ليسجل لحظة التحول الخارقة، لذلك اكتملت فكرة «ليالي القمر والرماد» بتضمين أجواء أسطورية مأسوية من خلال مناخاتها الحاضرة بقوة .

 1 ـ أسطورة انبعاث الحسين

اقترن زمن السرد في الرواية بالاحتفال بعاشوراء حيث كانت الليلة مقمرة والقرية مشتعلة، حيث يكتمل القمر ويكتمل الموت لتنبعث الحياة من جديد في صورتها المكتملة . فالانبعاث مقترن بإعادة اكتمال القمر «ستظهر كالقمر في بهائه وجماله» (ص 8) . وبلهب النار التي تحمل تمازجا مع تمثلات أسطورية ـ صوفية «تسللت فاطمة من البيت واتجهت الى أكوام النيران، تراقب الصبية، وهم في مرحهم، وجلست على حجر بقربهم، تحدق في حمرة النيران وشررها، كان المشهد جميلا وقد انعكست حمرة النيران على مياه الغدير » ص 9، وأسطورة انبعاث الحسين هي رحم الرواية، وامتزاج لمعجمي الماء والنار والإقرار بالتماثل بين الموت والحياة والماء والنار " وتابعت طريقها حتى الغدير الذي يتوسط القرية وجلست على حافته ترشق صفحته السكانة الحمراء بالحجارة لتتشكل دوائر مائية " ص9 .

فعاشوراء هي زمن بداية الخلق لأنها وفق التصورات القديمة، "اليوم الذي تسقط فيه قطرة المطر الأولي في السنة، وخلق فيه آدم وحواء والسماء التاسعة" (7)، والاحتفال بها يرمز للتجدّد، ومن ثم انبلج دافع نهوض شخصيات الرواية للانبعاث من جديد . ونسبة فاطمة الى البيت يحيل الى نسبة شيعية تؤمن بالمهدي المنتظر الذي سيخلص العالم من الظلم، ولذلك بدأ زمن السرد في عاشوراء، وبدأ زمن الخطاب في المقبرة أين كانت فاطمة تناشد الأرواح، أين يرقد والد جنينها النهوض من جديد . فالدافع للانبعاث هوتضميد جرح الانقسامات العقائدية والسياسية التي بدأت في التاريخ الاسلامي بمقتل الحسين، لذلك ترزح الرواية بين فكي القدر ومأسوية الماضي والحاضر لتأكيد الذات وتثبيت الهوية التاريخية بمغالبة القدر المأسوي .

 ـ 2 ـ أسطورة أورفيوس ونواة الصراع الأبدي

أرفيوس في الميتولوجيا الإغريقية موسيقي ومغن بارع، تطرب له جميع الكائنات وتتبعه، له قدرة خارقة على تسكين البحار وتهدئة الأرواح وتنويم الأفاعي وفتح حقول عرائس البحر، وحين ماتت زوجته ارديس بلدغة ثعبان، اتجه للبحث عنها في العالم السفلي فاشترطت عليه الآلهة عدم الالتفات لكي تضمن عودته للعالم العلوي وعند صعوده التفت لمشاهدتها فاختفت وعادت الى عالم الموتى، إثر ذلك اجتنب النساء، فمزقنه إربا إربا وسقط رأسه في نهر هيروس .. ومنصور في الرواية يمثل زمن الحلم لأن غناءه كان قادرا على إثارة الجمال المتخيل، ومنصور الذي قضى بلدغة أفعى في أطلال القرية حيث واقع فاطمة وهي مغمى عليها هوتمثيل لجدلية النزول والصعود وغواية الأنثى وكيد أفعى الشيطان، ولكن المقبرة التي دفن فيها منصور لا تعني في كل الأحوال عالم الموت والسكون والظلام، بل عالم علوي بهالته القدسية وبكائناته الحية أيضا، ولكن سر اللعنة الإلاهية هوالذي يطفوعلى الأحداث ويحرك الفتيل الأسطوري في مغالبة القدر اثر موت منصور (الجمال المفقود) .

وبذلك أعطى حضور الأساطير في رواية «ليالي القمر والرماد» هامشا للخيال والتخييل لتنزيل الرمز والصور كاستعارات مركزية للرواية . واتخذ الشكل السياسي شكلا أسطوريا ايديولوجيا في مغالبة الاستعمار الأشبه بالقدر الذي يغالب بفعل أسطوري .

المسار الصوفي

اعتمد الكاتب المسار الصوفي لغاية تحقيق الالتحام الروحي بين النور والظلام، لذلك اقترن القمر بالرماد في رحلة ثلاثية الأبعاد حيث السفر الأول، فعدم تناهي الجزء في الكل في السفر الثاني، ثم سفر ثالث حيث الرؤيا والتكشف وتمظهر لحظة الفناء والخلود . فلا ينفصل المسار الصوفي عن تداخل الأجواء العليا والسفلى . بل إن الروح الإنسانية تعيش انفصاما في تلك السقطة التي حبكها الشيطان، وذلك الصراع والشوق الإنساني وصراعه في عالم نسبي يقر بتناهيه، ثم اندماجه في عالم المطلق عبر الرؤيا والتكشف، فالاندماج في اللهب حيث الفناء والخلود .

لذلك لا يمكننا أن نحدد هذا المسار الصوفي  دون التعرض إلى الجانب الدرامي - المأسوي للإنسان وهويصارع الجانب الأرضي المكبل بالأخطاء، ومن ثمة يدرك خطأه ويلم به  ليلتقي نور السفر الأول بظلام السفر الثاني ( الصراع ) فالتحول الخارق عند " التبادل بين الطاقتين المزدوجتين للصعود والهبوط "، فالصراع الصوفي هوصراع دائم بين الواقع والقيم المثلى، ينذر بمواجهة بين الصوفية المقترنة ب " الكرامة " كفعل خارق عند دمج الذات الفردية بالذات الخالدة، وهوصراع داخل الذات من أجل تمثل الذات المطلقة . فهوصراع داخل الذات وصراع مع الواقع في آن . صراع الشخصيات وهي تتوجس الحركة للكائنات الميتة وترنولتخليص كامل أبعاد الشخصية من الأخطاء ونسبية الواقع الأرضي .

وبما أن الكرامة الصوفية قائمة على الدين الإسلامي، لذلك أوجد الكاتب شخصية الشيخ خليفة المتعبد في منارته أعلى الجبل في القرية، وبصوته المنغم، وكثرة رحيله فتحوله إلى مصدر للمعرفة الدينية في المدينة، فمعلم القرآن في كتاب القرية حيث توهجت الشعلة . فالدين هوالذي هيأ وجود الكرامة الصوفية التي اتخذت ملامحا أسطورية لأن الكرامة الصوفية في " ليالي القمر والرماد " انبعثت من رحم الأعياد الدينية والحكايات الشعبية في القرية في ذكرى عاشوراء، حيث اكتمل القمر واشتعلت القرية، وانعكس القمر في شكل قرص ملتهب في ماء الغدير . والعاشوراء تقترن بذكرى الإخصاب واكتمال الخلق في المخيلة الشعبية، وتشير إلى الانبعاث وتضميد جرح الانقسامات المذهبية والعقائدية، وهي تعبر عن ملامح قدرية تراجيدية بمقتل الحسين، وبين القدر ومأسوية الماضي والحاضر تتأكد الذات الإنسانية في رحلتها المعرفية وتؤكد ذاتها وتثبت هويتها التاريخية والحضارية وتضمد وجودها الاجتماعي والإنساني . فمغالبة القدر ومواجهته لا يتم إلا بالكرامة الصوفية والتصوف رحلة عسيرة في اتجاه المعرفة لا تكشف فيها ذات الحق ولا تزال فيها الحجب إلا بعد قطع محطات من الأسفار.

والرحلة الصوفية مقترنة بتنقل الشخصيات من مكان إلى آخر حاملة معها أوزار غربتها وصراعها الدائم أمام القدر للكشف عن ذاتها في سياق تاريخي وحضاري . ولئن اقترنت رحلة التصوف باحتراق فاطمة وعبد العزيز والاندماج في اللهب، وموت الشيخ خليفة بعدما حرر الأرض من دنسها وقاتل المستعمر المدنس، فإن اختفاء عائشة وظهورها على شكل لوامع وبروق فهي دلالة على تحول المسار الصوفي إلى أحوال تتغير كلما التحمت نواحي الظلمة والنور ورصدت لحظة التحول التاريخي .

السفر الأول : التطهر الكامل

بالنسبة للشيخ خليفة فهويجسد صورة الصوفي كشيخ ورع يعيش في مكان منعزل عن الآخرين، والشيخ خليفة يعيش في منارة بأعلى الهضبة : " تفحصت المكان والبياض والصفاء، لما اقتربت من الزاوية المنارة، أحست بقشعريرة أتت على كامل جسدها وبرعشة سرت بكامل أعضائها . لم تعرف لماذا أتت إلى هذا المكان، خطر لها الرجوع المرات، قوة غير مرئية تدفعها إلى الارتماء أمام الشيخ خليفة فتلثم رجليه، وتعيش في عالمه القدسي وحديثه السماوي، لأن لغته غير لغة أهل القرية، وصوته غير صوت أهلها " ص46 .

المكان هومعلم روحي صوفي يتسع للغة الشيخ خليفة وهي لغة تحمل معان لا تبلغها اللغة العادية ودلالاتها مختلفة من حيث التأويل على الدلالة الظاهرة للغة أهل القرية، فهي متلبسة بالذات المتكلمة للشيخ خليفة يضفي عليها طابعا روحيا يقينيا بإدراك حدسي مخصوص لأنه ينبع من خبرة ذات حادسة، فكلام الشيخ متحرر من عبودية أهل القرية ووعيهم الزائف .

- ووقع تصوير الشيخ خليفة بصورة مثالية للشخص المتصوف فهويتماثل مع الملائكة بلحفته البيضاء ويكتسي بكساء الأولياء والأنبياء بردائه الأخضر : " آخر التفاتة لها كان الشيخ خليفة أمام زاويته منتصبا بقامته المديدة، والريح تعبث بردائه الأخضر وبلحفته البيضاء كالثلج " ص7 . والتعبد في المنارة بمثابة تأمل المطلق وتطهرروحي .

ـ ويقظة الشيخ حين ينام الناس تؤكد مجاهدة الذات، ثم إن موسيقى الصوت هي موسيقى الوجدان والنغم وبلوغ الحدود القصوى : " كان الناس نياما عندما صممت إلى مغادرة البيت والإسراء ليلا إلى زاوية الشيخ خليفة، كانت في حاجة إليه، إلى موسيقى صوته، ساورتها فكرة الرجوع المرات لكن صوت الشيخ خليفة أقوى من الخوف وحتى من الشيطان الشرير " ص7 .

إن لغة الشيخ الصوتية هي ترميزات صوفية تعلوعلى لغة أهل القرية وتدليل على تجربة روحية مثالية، يؤكد فيها الشيخ ذاته، ويجاهد من خلالها سلطة أهل القرية القائمة على القبلية الفجة . فالشيخ وهويعيش في عالم قدسي يرتقي إلى عالم مثالي يرتفع عن العالم الواقعي المعيش . ورحيله الدائم هومحاولة لتجسيد للكمال : " كان كثير التجوال ولا يستقر له قرار بالمدينة . طلب الفرجة في أرض الله، ومصادقة المزيد من أهل التقوى، وتعرف على عديد من هؤلاء " ص52 .
 
"رحلة فاطمة في اتجاه الضوء"

تتوجس فاطمة في الزمن المطلق تجلي الحق الذي يمثله الشيخ خليفة حيث تستجلي سمات الفرح والانطلاق والانتشاء من خلال الشيخ خليفة : " وينتشي الشيخ خليفة ويلقي بلحفته البيضاء كالثلج في الفضاء فتسبح مع الغيوم لتكون الراية البيضاء المبشرة بالصفاء ومطاردة لكل لحفة نكد، وستزول اللحظة حتى تلامس يدها وكذلك تفعل مع منصور وتصعد اللحفة من  جديد لتزف لكل حي أن الأرواح الشريرة أطردت من القرية " ص15 . وإن كان الزمن المطلق يستوجب الرحيل فهوبحث عن فضاء مطلق لذلك كانت العبارة الأولى التي قذف بها الشيخ خليفة لفاطمة : " اطلبي الرحمة، سبحانه الساتر الستار، هاجري يا ابنتي، لقد أخطأت وقضى منصور نحبه والعقاب شديد " ص6 - ابتعدي عن القرية ابتعدي يا ابنتي .
وقد كانت هذه الكلمات بمثابة إشارات لسلك رحلة جديدة لا يتوقف فيها الزمن بالموت الجسدي بل دعوة لتجديد الروح التي فقدت براءتها والارتقاء من عالم مادي محسوس تجسده القرية كفضاء مرجعي عدائي إلى عالم لامرئي مطلق : " إذا أردت النجاة  فاهربي قبل أن تخسري حياتك " ص 47 .

فالفضاء المطلق في السفر الأول يقترن بالرحيل الدائم، وقد كانت رحلة فاطمة إلى منارة الشيخ خليفة بفعل ( أسرى ) تدليل على الهاتف الواعز والشيخ خليفة الذي أوعز لفاطمة بالرحيل هودليل أومرشد أوعز لفاطمة لتتبع مسالك الطريق الصوفي بعدما التمست لديه إشارة تدلها على طريق الحياة الجديدة إثر توبتها وتطهرها من إثم لم تقترفه، فكانت منارة الشيخ بداية الإسراء والإسراء رؤيا وتكشف يؤدي إلى رؤية الفضاء الصوفي . فهي تخرج من عالم القرية وذاكرتها المشروخة بحكايات القتل الملحمية وتنشد الانبعاث الذاتي، وقبل أن تحل المأساة بفاطمة تجلت لنا بعض القرائن الصوفية تحيل إلى معجم اللهب والنار كترميز للأنوار الإلاهية، التي لم تفصح لنا من خلالها على رغبتها في الاندماج معها، لكنها كانت تعبر عن اكتمالها في اكتمال القمر، الذي تجسد اكتمال النور حيث كان القمرمكتملا سحرا ونورا وكان القمر الأحمر يتبع خطاها سواء في ليلة عاشوراء أوفي ليلة الإسراء للشيخ خليفة . وشعرت بوحدة المكان وهي عائدة من المنارة : " وتابع القمر الأحمر خطاها، يحرسها بهائه وطلعته، وارتاحت لهذا البهاء وهذه الطلعة . أطلت وراءها، كانت البيوت المتفرقة، تنضم إلى بعضها بعضا كلما ابتعدت وتشع من بعضها أنوار خافتة " ص7 .

السفر الثاني
 
السفر الثاني في الرواية اكتنفه تكسر في خلجات الرواية ومرده عجز الشخصيات على الاطلاع على عوالم الملكوت، و"عدم تناهي الجزئي في الكلي" ولكنه في الآن نفسه يكشف عن "التعطش إلى الأبدي والمطلق أوالله "، وعن السعي الذي لم يدرك بعد إلى الوجود الكلي، وعن محدودية الفعل الإنساني الجزئي المكبل بالخطأ وبالتالي عجز الذات الفردية عن الاتحاد بالذات الكلية . لذلك كانت الشخصيات في هذه الرواية تتحرك في فضاءات الواقع، وأزقته وساحات المدينة والغرف الضيقة المعبرة عن ضيق اللحظة الإنسانية وعدم انبجاسها من فضاء مطلق ولا تحيل إلى زمن مطلق بل زمن دنيوي في غياب لحظة الكشف التي تحيل إلى الفعل التاريخي الحقيقي . وفي السفر الثاني وقع توظيف "مأساة فاوست" لغوته .

تصطدم شخصيات الرواية كفاوست غوته بتناهي الحياة، فالمعرفة عصية عن الفردية المحدودة، ومعرفة الإنسان نسبية وتتسم بالقصور، فكل فعل لا يستند إلى معرفة حقيقية بالكلي ستنتهي إلى نوع من العجز، لذلك غابت لحظة الخلود والفناء وحل محلها الدافع المعتم لأنها لحظة خارجة عن مقاييس الزمن الدنيوي . فالإلاهي أوالمطلق في عوالمه العليا الأسمى غير قابل للتجزأ والتشتت في الآن والهنا . فهوممتنع عن الأرضي وسيبقى كذلك في غياب لحظة التزاوج معه وهي لحظة الموت : وكل فعل أوشعاع ضوء عابر وخافت ما هوإلا انعكاس من فيض نوره الأسمى وقد يتجلى في عمل جزئي، آني وعابر . لذلك يخرج كل موقف وكل خطأ بتجربة الخطأ لأن اللحظة التي تعيشها الشخصية وتظن أنها حققت لها الاكتمال ما هي إلا لحظة خداعة، تدخلها إلى دائرة اليأس في ابتعاد الإلاهي والمطلق وتجعلها تدور في دائرة الصراع بين لعنة الأقداروالأمل المتكرر في الخلاص  (7)   .

 

توظيف مأساة فاوست :

"مأساة فاوست" الأسطورية ذات التراث الأسطوري والتاريخ الأدبي العريق وإن كان اللشاعر الألماني غوته  أول من عالجها أدبيا فقد وقع تناولها مسرحيا وروائيا من قبل كتاب غربيين مثل شيبيس ، كريستوفر مارلو، ليسينغ، ومالرميللر ماكسمليان كلينجر طوماس مان، وفي البلاد العربية استلهم " مأساة فاوست " وقلقه وصراعه مع الشيطان نخبة من الكتاب بين العقد الثالث والعقد السادس من القرن العشرين في مرحلة الكفاح والتحرر والاستقلال السياسي حين كان العالم العربي يبحث عن ذاته التاريخية والحضارية وهويته الثقافية وهم محمد فريد أبوحديد " عبد الشيطان "  وفي مسرحية " نحوعالم أفضل " لتوفيق الحكيم في " فاوست الجديد " وعلي أحمد باكثير " الإنسان الذي عذبه القلق الأبدي والشوق الدائم لللحظة الخالدة " . والكاتب المصري فتحي رضوان والكاتب المغربي عبد الكريم بورشيد  (8) . 

 مأساة عبد العزيز : فعبد العزيز الذي خرج من السجن وغادر القرية نحوالمدينة كإفاقة على واقع مكاني جديد قابل لممارسة فعل التطهر عليه بما يعني إمكانية الفعل السياسي، وارتباط تطهير الأرض من دنس المستعمر المغتصب، أوالجانب الشيطاني الشرير القابع في العتمة : " لا بد أن تستيقظ هذه الهامات، طال النعاس ولا بد من إفاقة كاملة وواعية، لا بد لهذه الأرض أن تتطهر من دنسها، ولن يبقى إلا من يقول أحبك يابلدي حرا " ص100" . ولكن عبد العزيز يفقد البصر حين أطلق عليه النار ببندقية المستعمر .

فعبد العزيز الشاب الذي اكتنف فعله "الدافع المعتم" تجسد ظلال مأساته مأساة فاوست لغوتة بعدما فقد البصر، وموته آخر الرواية محترقا مع فاطمة حين اشتاق إلى لحظة الجماع....." لم تكن لحظة الفعل المحض التي تصور أنها تكسبه أرضا حرة يعيش عليها شعب حر، ولم يتورع في سبيلها عن تدمير كوخ فقير يسكنه عجوزان آمنان لمجرد أنه يعطل مشروعاته العمرانية هذه اللحظة الاخيرة، لم تكن هذه اللحظة التي تمناها وخاطبها بقوله " تريثي قليلا فما أجملك " (9) .

وقد برر عبد العزيز تلك اللحظة التي يعوزها النقصان والتي تكررت أكثر من مرة، بأنها إما تكون خاضعة لسيطرة القدر بوجهه التراجيدي أم هوالخطأ في الفعل أم هي اللعنة التي دبرها الشيطان : " وهوينفرد بظلامه الدامس إلى الأبد يشعر أنه ينزل في بئر سحيقة لا قرار لها . أراد أن يصرخ بأنه في حل عن هذه اللعبة عسى القدر يتدخل فيسرى ما أفسده الشيطان، ولكن يقينا صدح فيه هائما بأن الشر قضاء وأن الشيطان ماهوإلا هذا الشر " ص125 . وفاطمة التي انتقلت إلى المدينة وحملت معها داء الموت " إصابتها بالسل " شكلت صفحة للزمن الأسود، ولكن جسد فاطمة كان يحمل ذلك الشعاع الذي يقود المرء إلى لهب النور حين أنجبت بنتا ذات ملامح ملائكية قادرة على التشوف، ففي جسدها تتجسد ازدواجية الظلام والنور، جسد يستكنه الموت البطيء وحمل بين طياته مولودا للزمن المرتقب، فهي التي طردت من عالم الجمال إلى عالم القبح، تحمل بين طياتها بذور الحياة واستمرارها : " أحس أنه شقي، وانتفض قائما وعيناه تبرقان في سواد بهيم، بعد أن ذوى شعاع المصباح وبانت معالم ومشاهد أكثر شناعة، إن الظلام يسدل ستارا على صور تبصرها العين ولكنه يكشف عن أخرى من صنع المخيلة والذاكرة أكثر لمعانا من شعاع الشمس " ص93 .

مأساة فاطمة : فاطمة إسم يحمل ملامح شيعية، وقد حملت بين طياتها مأساة الحسين، وقتل زوجها في الفتنة الكبرى،  وفاطمة في مثل هذه الرواية المتخيلة الشاهدة على احتفالات القرية في الأفراح والاحتفالات الدينية الشعبية وكانت تتناغم مع أغاني منصور مغني الحفلات ومع موسيقى الشيخ خليفة وكانت تحلم بعالم لا تسوده المأساة والفجيعة ترتاد الأماكن الأكثر قدسية لكنها في الأثناء تجسد أقسى رموز المأساة رغم أنها تبعث حلما لانبعاث الحياة من رحم المعاناة فهي تجسد تدخل القدر الإلاهي بصورته التراجيدية : " وعندما تنهض تكتشف أنها قضت، ومنحت الفرصة للنجاة من الفضيحة والمأساة، لكن الأقدار تتدخل من جديد فتمحي كل الأماني فيموت منصور بلدغة أفعى في نفس المكان الذي هتك فيه عفاف البنت " ص50 .

فقد سوى القدر مصير اللادغ والملدوغ والجاني والضحية، وما القدر إلا خضوع لعبة الشيطان في لعبته الأبدية حين أخرج الإنسان من الجنة تاركا إياه يحمل حلم العودة إلى النور الخالد فلا يدركه : " أصغى عبد العزيز إلى تضرعات الشيخ، وعرف السر الذي أسهده الليالي فأصيب بخيبة أمل وهويلهث بالخبر المفجع، أبصر منصورا، وقد طفت جثته على صفحة البحر مصفرة ومتجردة من شكلها الطبيعي، وهناك بعيدا عنه فاطمة تشرب ماء البحر فلا ترتوي، حتى انتفخ بطنها، وفي تلك اللحظة برز أفعوان ما بين الزبد فيثب على حلقها فلا يتركها إلا جثة هامدة " ص70 .

مأساة فاطمة اشبه بمأساة غرينيتش الضحية البريئة في "مأساة فاوست" والتي سلط الله عليها الذنب فعاشت نشوة الحب الحقيقي النقي وإغماءة ..

مأساة عائشة إبنة فاطمة : عائشة هي مثال للمعرفة الإلاهية بامتلاكها خاصية الرؤيا والتكشف . وهي أشبه بذلك المخلوق الشاعري العجيب " أوفريون " والتي كانت ثمرة الزواج بين هيلينا وبين قوى فاوست الشيطانية . التي مكنها الشيطان من الزواج بهلينا . واختفاء عائشة وظهورها على شكل لمعان البرق في السماء أشبه باختفاء "أوفريون" التي اشتاقت للعودة للسماء .

وحين ولدت عائشة، فصلت عن ولادتها وأبعدت عنها كما تفصل الحياة على الموت، والجنين المقدس عن الجسد المدنس ( المدينة ) . وفي القرية تتجلى المعرفة الحدسية وتتكشف الرؤيا والتكشف على الموت - وتلى ذلك عملا روحيا أشبه بالتهجد لعائشة : " عيناها محدقتان في شطر قبة السماء وكأنها ترجوغوثا ورحمة من بزوغ الشمس أومن الشفق الآخر " ص169، مما أدى إلى اختفاء عائشة وعودتها مع التماعة كل برق .

- مأساة الشيخ : تبقى الرحلة إلى عالم المعرفة مغلفة بالقلق والدنس على توق شخصيات الرواية إلى فضاء مطلق وزمن مطلق، فالأنوار بمثابة جذوة الحياة التي سرعان ما تستحيل إلى دافع معتم معكوس . لذلك كانت الرؤية  مغلفة بظلال الرؤيا والقمر المكتمل شاهد على الموت المدنس وحطام المجتمع والدين والسياسة . فالشيخ وهويلج الغرفة في المدينة لا يبصر غير الإنارة الجزئية .

فنفس الشيخ خليفة بدأت تتشتت حين اصطحب فاطمة نحوالمدينة، وقد تمثلت ككتلة سوداء تقف عائقا أمام رحلة نحوالمعرفة . وبدأ الصراع يتناهى إليه واختلطت عليه الأشياء والصواب والخطإ . الصواب الذي لا يكون دائما بل منقوصا . فهل الخطأ هوالذي يسبب النقص أم النقص هوالذي يسبب الخطإ . فأضحى في منزلة بين المنزلتين وهويتأمل ظلال القمر والرماد . والصراع الذي تأجج في نفس الشيخ حتى أضحى يتأرجح بين الأسمى والاسفل، وبين الإرشاد ونهوض شهوة الجسد : " وربما تستطيع أن تقول إن هذا الموضوع هوالصراع بين الإنسان الذي يتطلع دائما للسماء ويشتاق للخلود، وبين الشيطان الذي يتصور أن اللذات المختلفة يمكن أن تغويه، وتقنعه، وترويه، أم هوالصراع داخل الإنسان المسكين نفسه بين نفسين - تتشتت إحداها كالدودة النهمة بالطين بأعضاء متشنجة وتحن الأخرى إلى الكمال الأسمى " (10) .


السفر الثالث :

وهوبداية الكشف بعد زوال الحجب، وانبلاج الرؤيا والاتحاد والتكشف حيث اشتغل حدس عائشة الفتاة الصغيرة ( إبنة فاطمة ) وهي تحفظ القرآن من سماع واحد وتتكشف على الأحداث قبل وقوعها، وتدرك أن من أصاب عبدالعزيز ارتدى السواد، فاكتسح عالمه السواد ولا شيء غير السواد حد سكون الحركة وانعدام الرؤية لتشهد الفتاة تلك السقطة الأخيرة إذ تتكشف على احتراق من في البيت ( فاطمة وعبدالعزيز) : " فهذا الكائن هوثمرة التحام جسدين في وضع تمقته الأقدار، بدا له أن الأقدار أبعدت شبح الأخطار بتنبؤات البنت، هل كانت الهبة فرج للخطر الأكبر " ص164 .

- "لحظة الخلود والفناء في اللهب" وهي الموت الصوفي لتجديد حياة الروح إثر الالتحام الصوفي الحسي، في لحظة الجماع الجنسي بين عبد العزيز وفاطمة .

- النار لها دلالة صوفية لأن نار الصوفي هي الذوبان والالتحام بالمطلق والانتقال من عالم أرضي نسبي إلى عالم سماوي مطلق . هي انصهار الجزئي بالكلي .

- اتضح "الحلول الصوفي" حين فقد عبد العزيز البصر واستشف نور البصيرة، وانعتقت فاطمة من السم القاتل ومن الزمن النسبي إلى زمن الحلم .

- "لحظة الخلود والفناء" هي تلك اللحظة المعبرة عن موت الصوفي عند "التزاوج مع الأعلى"، وتلك اللحظة تعبر عن ذلك السر الذي يمنع البوح به " واختلى الشيخ خليفة بفاطمة وقال لها: 
- لا تقولي شيئا مما قلته لي البارحة
-  لماذا يا أبي ..
- لا تقولي شيئا وكفى " ص159

ولحظة الحلول والفناء كان قد عبر عنها غوته بأنها اللحظة الأعمق والأجمل التي يتشوق لها الصوفي ( أريد ان أمدح الأحياء / اللذين يتشوقون للموت في اللهب ) . فهوموت وفناء في لهيب النار . ولهب النار عند الصوفيين هوأعلى درجات السلم الصوفي وهوالاندماج من الأعلى من خلال لهيب النار التي ترمز إلى الأنوار الإلاهية، وهذه اللحظة "لحظة الخلود والفناء" لا تدرك حسب الصوفية الحسية إلا بالجانب الحسي للالتحام مع الذات الإلاهية فالتجدد الروحي . فلحظة الجماع الجنسي بين عبد العزيز وفاطمة، حددت لحظة الخلود والفناء، وحلول هذه اللحظة إيذان بموت الشيطان لحظة يجتمع فيها الخلود والفناء في لحظة واحدة في ذلك الاتصال مع الأسمى .

وبذلك تكون" ليالي القمر والرماد" رواية مبتورة للناصر التومي إذ تختلف عن رواياته اللاحقة ( الصرير، والنزيف، والرسم على الماء، ورجل الأعاصير ) من حيث شحنها بالإشارات والرموز والعواطف الإنسانية ،، وتشكل انحرافا تاما عن التوجه الذي سلكه الكاتب في ما بعد حين أخذ على عاتقه تحويل رواياته إلى شهادات على العصر في ستينات وسبعينات وثمانينات القرن الماضي حيث عرف المجتمع التونسي تحولات اجتماعية وتصدعات سياسية حادة .

هـوامـش :
1) ليالي القمر والرماد، رواية، الناصر التومي ، الشركة التونسية للنشر وفنون الرسم  - تونس 1978 - ط1
(2) مرسيا الياد م مظاهر الأسطورة، ص 32، 1963 éditions Gallimard
(3) نفس الاحالة
(4) خالدة سعيد، حركية الابداع، دراسات في الأدب العربي الحديث، دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع، ط3 ـ 1986 ـ ص 13
(5) محمد الصالح بوعمراني، أثر الأسطورة في لغة أدونيس الشعرية، مكتبة علاء الدين صفاقس 2006 ـ ط1 ـ ص 89
(6) محمد عجينة، موسوعة أساطير العرب عن الجاهلية ودلالالتها، دار الفرابي ـ بيروت ـ ط1 ـ 1994 ـ ج 1 ـ ص 9
(7) انظر : دراسة " المسرح الديني : التعزية " للباحث محمد سيف ـ مجلة الحياة الثقافية ـ العدد 153 ـ مارس 2004 ـ ص 32
(8 ) أنظر غوته العبقرية العالمية، إذاعة صوت ألمانيا، دار الجديد - بيروت - لبنان 1999، ط1
(9) المصدر السابق
(10) المصدر السابق ص50
(11) عبد الغفار المكاوي - غوتة العبقرية العالمية، المصدر السابق، ص44 .


      مجلة دليل الكتاب :
  • الصفحة الرئيسية
  • لإرسال المقالات أو التعليقات

      أقسام المجلة :
  • قراءة في كتاب
  • قراءة في ديوان
  • قراءات مختارة
  • قراءات نقدية
  • ثقافة وآداب
  • أبحاث ودراسات
  • أشعار وقصائد
  • مؤتمرات ومهرجانات
  • معارض
  • مقابلات
  • تحقيقات
  • مواضيع المجلة
  • أراء خاصة
  • قصة قصيرة
  • أخبار ومتابعات
  • ما يكتبه القراء
  • سيرة ذاتية

      الجديد :



 تهافت منطق "التأويل العلمي" عند الدكتور زغلول النجار وآخرين!

 شكوى الحروف

 قلْ .. ولو كفراً

 رقَّ القلب

 أيها النقاد.. أنتم أمناء ولستم مسترزقين.!؟

 الروائية اللبنانية هدى بركات وثقافة الحرب

 أمسية شعرية فـي (شارع الوكلات)

 المسرح العُماني وبذور الإبداع

 قراءة في رواية

 ما نعرفه نصف الحقيقة وما نخشاه نصفها الآخر


      البحث في الموقع :







      مقالات عشوائية :



 ليانة بدر: «سماء واحدة» لا تكفي!

 أجراس قبل الرحيل اصدار جديد للشاعر ادوارد عويس

 الإبداع والترجمة والنقد الأدبي تواصل حضاري

 غزّة... الدرس الأخلاقيّ

 حول تحالف الحضارات و مهرجان "الآداب الجميلة"

 قراءة في جدارية محمود درويش : جدار الذات وجدار القضية

 يوسف الصائغ في سيرته الذاتية "الاعتراف الأخير لمالك بن الريب": سيرة كهنوتية

 شقشقة قلم: نخلٌ وعصافير سهول فسيحةٌ

 "ملح كثير..أرض أقل"

 جمالية قصيدة النثر لا تلغي عِمادية القصيدة العامودية


      وأيضا :
  • موقع دليل الكتاب
  • الصفحة الرئيسية
  • أرشيف الموقع
  • أضف الموقع للمفضلة
  • إجعل الموقع رئيسية المتصفح

      العنوان :


دليل الكتاب
الوسيط الثقافي بين القارئ والناشر

الناشر

ديوان الكتاب للثقافة والنشر

المدير المسؤول : خالد الغُربي
مدير التحرير : علي دهيني

طريق المطار - خلف مبنى الضمان الإجتماعي - بناية جابر - ط1
هاتف وفاكس : 01451552
ص.ب : 1001/85 - 2010
info@dalilmag.net


Designed , Hosted  &  Programmed by : King 4 Host . Net