|
علي دهيني
لا أدري إلى أي مدى يمكن أن يكون الناقد متجرداً، أو يمكن أن يكون، فعلاً، باحثاً عن المادة التي يجب أن يتحدث عنها. وتسائلي عائد إلى أنني أنطلق من قناعة بأن الناقد هو الحارس الأمين على ثقافة الأمة، وهو المسؤول الأول عن تنمية مدارك الأجيال وحراستها الفكرية والثقافية.
راودتني أفكار كثيرة وأنا أجول بين عدد من الموضوعات التي يتناولها بعض من النقاد في كتاباتهم وقراءاتهم الروائية بخاصة.
وجدت أن غالبية القراءات تتجه نحو أسماء بعينها (نسائية بخاصة) لتحكي عن نتاجاتها الأدبية وإبداعاتها الروائية، ويجيء الحديث والتقويم، في قاسم مشترك بين جميع هذه الروايات استهوى رؤية الناقد للحديث عنه، وهو المشهدية الجنسية المنقولة بأوجه متعددة لكن الصورة واحدة، مع فارق شبه هامشي بين هذه الرواية أو تلك، وتغيير للديكور بحسب الزمان والمكان، حين وصف المشهد.
هاجمني سؤال بالحاح قوي: لماذا هذا التهافت على تطويل أو تقصير الحديث والقراءات لأسماء بعينها بأكثر من قلم، وكأنه سباق ستكون بنتيجته جائزة السبق شهادة من هذه المبدعة وتلك، والثناء منها على هذا الناقد المتفرد بذكائه، حيث تمكن أن يكشف السر الإبداعي الذي "خبأته" كاتبة الرواية بين السطور وغلفته بـ "أدوات الجسد" مستعيرة منه "أعضاءه" كتعبير عن الحرية، فجاء هذا الناقد الجهبذ ليكشف لها هذا السر الذي "خجلت" أن تبوح به الكاتبة، لأن وصف الأعضاء، وكل العملية الجنسية، والحديث عنها، ووصفها بكل انفعالاتها، بات عنواناً من عناوين العصرنة، ودليل قوي على وجودنا في مسيرة الركب الحضاري، ويبقى أن "نوهم" القارىء الذكي أن عليه اكتشاف "إبداعنا" من خلال قدرتنا على الترميز، لأن غايتنا أن نرتقي بهذا القارىء إلى مستوى يليق بأدبنا. وليس بيدنا إذا كان القوم بسطاء و "جنسيين" في أفكارهم وفهموا أدبنا على أنه إباحة.؟
وكيف لا يكون هذا.. وهذا هو العنوان الحضاري الأهم؟. أليست هذه الالفاظ وهذه المشاهد وبساطة تعامل اللسان والعين معها هو ما تقول به وتعرضه وتقدمه "السينما العالمية"؟. أليس هذا ما أرادوا أن يعنونوا لنا به تحولنا الثقافي، بعيداً عن استيقاظنا على ما يدور حولنا من أعمال عسكرية واستيلاء على ثروات وتدمير شعوب وقتل؟. حتى أنهم في أعمالهم السينمائية يقولون لنا أن رعاية الكلب والهرة أهم بكثير من الاهتمام الفعلي بإنسان تمثله ثقافتنا.!! وليس هذا حديثنا الآن.
هم يعلمون أن ثقافتنا تقوم على الأخلاق، وأن الأخلاق في ثقافتنا هي الركيزة التي أخذنا منها عقدنا الاجتماعي وأسسنا بمنهجيتها هذا العقد، ولذا كان لزاماً عليهم أن يبدأوا من هنا، من تدمير البنية الأخلاقية في جذور ثقافتنا، وليس أحب إلى النفوس الضعيفة من الإنفلات حين يتاح لها ذلك وتوفر لها السبل، وها نحن نقوم بدور المعول في تدمير هذا الركيزة الذي يقوم عليها كل عقدنا الاجتماعي..
ليس هنا غايتي من الحديث، رغم أن هذا هو المرجع الذي تأخذنا إليه ذاكرتنا حين نستعرض رواية بين أيدينا.
وسؤال آخر، لماذ لا نجد من يسارع مثلاً للكتابة عن رواية تكتمل فيها كل عناصر الإبداع الأدبي، ولكنها تخلو من تلك الالفاظ وتستبعد تلك التوصيفات، لعلم كاتبتها أو كاتبها، بأن اللغة الأدبية في كل عمل، عليها أن تهذّب العقل وتصقله بما يحفظ روحية الأخلاق في مساربه، وتتركه يتعامل مع أنماط الحياة بما تستحق هذه الأنماط من قيمة جوهرية أوجبتها ضرورة وجودها من بين تشكيلات الإنسان التكوينية.
قرأت في الآونة الأخيرة أكثر من عمل روائي تحوي دفتاه إبداعاً أدبياً راقياً يعرض قيماً حياتية في مسيرة الإنسان لا تحتاج إلى غرائب الخيال لتحفّز القارىء على المتابعة، وبالتالي تصلح للنهل منها قيمياً وأدبياً لتنمية نضجه في هذه المجالات. وشعرت أن ما تحتويه يترك أثراً قوياً من الناحية النفسية ولمام التجربة الحياتية التي هي المرجوة من كل مطالعة أدبية.
واعتقد أن كثيرين من القراء يؤكدون أن غايتهم من متابعة بعض الأسماء أو شراء بعض الروايات، إنما أخذتهم إليها شهرتها بمحاكاة الممنوع ودغدغة ذاكرتهم الجنسية، ولم تأخذهم غاية النماء الفكري.
من المسؤول عن هذا "التهافت" على بعض الأسماء دون سواها.؟ أليس القيّم والحارس الذي ملك قدرة أكتشاف الخطر وتحسسه من بين السطور.؟ أليست هذه مهمة الناقد.؟
موضوعات كثيرة يمكن أن تندرج تحت هذا التساؤل، إنما خطابي هنا موجه إلى هذا "البعض" من النقاد الذين وصفتهم مطلع المقال بالأمناء؟
للأسف أن بين هذا البعض الذي أتوجه إليه وأناشده، أسماء لها مكانتها العلمية، ولكنها لم تجد موقعاً لها يظهر هذه المكانة سوى اللجوء إلى السير في ركب هذه "العجقات"، فجاءت تشارك في هذه المسيرة.
أنا لا أنكر لأحد رغبته في الوصول إلى الجماهيرية، والشهرة، ولكن المسؤولية والأمانة الفكرية، يجب أن تراعى أكثر، لأن من وثق بك أميناً على فكره، ليس من حقك أن توقعه في حفرة هو لا يعرف مدى عمقها، ولو أخبرته لوقف ملياً وتأمل. وكما تتناول تلك في قراءاتك، تناول هاتيك أيضاً.!
أيضاً، لا أنكر "ضرورة" الحديث عن العملية الجنسية ودورها في حياة الإنسان، فهي موجودة حتى في الكتب السماوية وقالت بها وتحدثت عنها وعن مجرياتها، ولكن كان لها لغتها التي توصلها إلى مبتغاها ولم تجعلها منـزوعة القِيَمية وجوهرية الوجود.
تعالوا نعدد الأسماء التي تُتابَع من قِبل هذا البعض من النقاد، وسترون أن عدداً لا يتجاوز أصابع اليدين هو من تُتابَع أعماله ويقدم إلى جمهور القراء، بل وأكثر من ذلك، أن "هاتي" المتابَعَات من قبل البعض، غالباً ما أتعبهم أو أتعبهنّ البقاء في الوطن، ولجأن إلى بلاد أخرى، لينعموا بصورة رضائية لأنفسهن أو لأنفسهم، وقد ضاقوا ذرعا بثقافتهم الأم. (لا أريد ان أنكر معاملة أنظمتنا لأي إبداع خارج دائرة السيطرة والممالقة له).ولكن هل يكفي أن يلجأوا إلى تلك البلدان كي يصبح شاغل خاطرهم هو ما يجب أن يشغل خاطرنا.؟ (بالمناسبة، تلك البلدان التي تستضيفهن أو تستضيفهم، ورغبوا أن يطبعوا نتاجهم على نفقتها لا تقدم أي مساعدة إذا كان المحتوى مشتق من ثراثهم الثقافي).!؟
لست هنا لأهاجم أو لأكون صفحة دعائية لأعمال معينة، ولن أذكر أسماء كشواهد تفرضها مهنية العمل، كي لا يحسب هذا الكلام في خانة التبجيل بأحد، ولكن أعرف تماماً أعمالاً أدبية غاية في الأهمية غابت عنها القراءات النقدية فقط لأنها لا تحشد في سطورها مشاهد الإثارة أو اللعب على الذاكرة الجنسية.
حتما، ودون شك، أنا لا أقصد الإجمال في محاولة قراءتي لأعمال بعض النقاد، وحتى الذين أقصدهم في قولي لا أقصد أن أقلل من قيمة مساهماتهم في تنوير الأفكار والتوجيه عند القارىء وتنمية مداركه النفسية والفكرية في آن، إنما الهدف أن تعطوا هذا النتاج ما تعطوه لذاك، وبعدها اتركوا القارىء يختار بعد قراءاتكم.
ما أريد قوله إن أي شيء، بالمطلق، تعتاده العين ويكرر على الذاكرة ليصبح حدوثه ومروره والحديث عنه نمطياً، يبدأ بالذوبان والتلاشي شيئاً فشيئاً من النفس حتى ليكاد يفقد معناه،(وهذا ينبّه إليه علم النفس)، وبالتالي لن تبقى له تلك الأهمية التي تَكنّه بها وتقيّم بها، فتذهب قيمته وينكشف سره.
|