يرجى من جميع الكتاب والباحثين وأهل القلم ممن يرغبون نشر نتاجهم في المجلة أن يأخذوا بالاعتبار أن تكون المادة تنشر للمرة الأولى.. وشكرا
[ الآراء والمواقف المتضمنة لا تعبّر بالضرورة عن رأي المجلة ]



أبحاث ودراسات

 المعجم العربي و هموم اللغة العربية 


ذ.ابراهيم نادن


 ماهية المعجم

د. ابراهيم نادنتطلق كلمة "معجم" على أنواع خاصة من الكتب، تضم أكبر عدد من مفردات اللغة مقرونة بشرحها وتفسير معانيها على ان تكون المواد مرتبة ترتيبا خاصا، و إما على حروف الهجاء أو الموضوع، و المعجم الكامل هو الذي يضم كل كلمة في اللغة مصحوبة بشرح معناها، و اشتقاقها وطريقة نطقها، و شواهد تبين مواضع استعمالها1.
و إذا كان هذا النص يحمل تصورا نظريا للمعجم الكامل رغم صعوبة ضبط كل كلمة في اللغة، لاتساعها وصعوبة حصرها، و في اللغة العربية خاصة، حيث يعهد عن أحد كبار مؤسسي حركتها المعجمية الخليل بن أحمد الفراهيدي 175 هـ قوله في مرحلة معاناته لمعجم العين: "لا يحصر اللغة العربية إلا نبي.”2. فإن المعجم يبقى هو : "مجموع الوحدات، و بالخصوص الكلمات التي يمكن لجماعة بكاملها أن تمتلكها، و تعبر بها عن طريق اللسان. 3 و من هنا نلاحظ الفرق بين المعجم والمفردات، إذ المعجم ليس هو المفردات التي " تعني مجموع الكلمات التي يستعملها بالفعل شخص معين في ظرف معين. 4 و يتحدد الفرق بينهما بكل وضوح في الاستعمال، فالمعجم “ مجموع مفترض بينما " المفردات" هي مجموع تحقق بالفعل."5.
و يقتضي معرفة مجموع مفردات لغة من اللغات، أو معجمها الإحاطة بعدد هائل من المعلومات عن هذه المفردات، و ضمنها خصائصها الصوتية، و الصرفية و التركيبية و الدلالية و البلاغية، ولذلك قامت في مختلف الحضارات صناعة معجمية تتوخى وصف هذه المعرفة6.
يعتبر المعجم جزءا من الواقع الاجتماعي للغة، و اللغة كائن حي "تخضع عبر تاريخها الطويل إلى قانون من القوانين الحتمية، و هو قانون التطور..."7 و مما يؤكد هذه المرونة في اللغة، و ما يتبع ذلك من تغير في الصناعة المعجمية، المقارنة التي أجراها بعض الباحثين المعاصرين بين طبعتين من طبعات أحد القواميس الفرنسية، لا يفصل بينهما إلا فترة التحول – فقد تبين ان الطبعة الأولى التي كانت تشتمل على 36.000 كلمة قد عرفت خلال تلك الفترة الوجيزة تحولا يزيد عن 25 %، ذلك ان 9078 كلمة منها عرفت تطورا إما بالحذف، و إما بالزيادة، فقد أضيفت 3973 كلمة جديدة، و حذفت 3105 كلمة لم تعد صالحة للاستعمال لأنها لم تعد متداولة8. هذا إضافة إلى التحولات التي وقعت على مستوى الدلالة9، و ما تمت ملاحظته حول الألفاظ التقنية و العلمية التي عرفت تصاعدا كبيرا بالمقارنة مع الألفاظ العامة التي عرفت انخفاضا ملحوظا.
و لا يقتصر التطور اللغوي على " الوحدات المعجمية" – بدالها و مدلولها – فقط، بل يقع أيضا على مستوى الصوت، و على مستوى، النحو" 10، و تبعا لذلك فإن المعجم يصنف كنظام " متحرك ومفتوح" 11. ويصنف النظامان الصوتي و النحوي بأنهما ثابتان و مغلقان، لأنهما قائمان على عدد من الوحدات أو القواعد، ويحتاج تطورهما إلى زمن طويل12... و تأسيسا على هذه المعطيات يتضح أن المعجم العربي يتطور باستمرار نتيجة لعوامل مختلفة منها: الاشتقاق و الاقتراض و الترجمة والارتجال، و منها المجاز و الاستعارة أيضا، و – له عوامل أخرى، بعضها لغوي داخلي و بعضها خارجي13، بل قد لاحظ (فندريس) أن التحول الذي يدخل على المفردات المعجمية قد يصل إلى درجة يمكن معها أن نجد المعجم في لسان قد استعير بكامله من لسان آخر، ومع ذلك لا يفقد اللسان المستعير هويته لأن بنيته ظلت ثابتة."14.
و يبقى إلى جانب هذا التطور المستمر المواكب لتطور المعجم " محافظة تعمل على نقل القسم الأساسي من المعجم من جيل إلى جيل، مما يضمن استمرارية التفاهم و التواصل بين الأجيال." 15. بل " إن الجزء الاساسي من المعجم يتم بالضرورة نقله من جيل إلى جيل...”16

بدايات المعجم العربي و أنواعه
بدأت الحركة اللغوية في منتصف القرن الأول بغاية تفسير غريب القرآن و الحديث اولا، و كذلك جمع شتات اللغة قبل أن " تفسد" نتيجة اختلاط العرب بالأعاجم.17
و يكاد يتفق الكل على أسبقية الخليل في وضع الحجر الأساس لبناء المعجم العربي، حيث ألف معجم معين، الذي حاول فيه "حصر ألفاظ اللغة العربية جميعها حتى لا يغيب عنه منها شئ، فيورد مستعملها، و يترك مهملها، إلا أن المعاجم التي جاءت بعده توحي بأنها لم تنشغل بمسألة جمع كل ما هو مسموع (...) بل ركزت على تنقية اللغة من الغريب و الحوشي...18
و قد مرت عملية جمع ألفاظ اللغة العربية من مراحل ثلاث:
أ- مرحلة تدوين ألفاظ اللغة بدون ترتيب
ب- مرحلة تدوين ألفاظ اللغة مرتبة في رسائل متفرقة صغيرة محدودة الموضوع مبنية على معنى من المعاني أو على حرف من الحروف، و كل هذه الرسائل الصغيرة سواء ما وصل منها و ما فقد، إنما ذابت في المعاجم الجامعة التي ألفت فيما بعد.19
ج- مرحلة وضع المعاجم العامة الشاملة المنظمة.20
و اتبع في ترتيب مفردات اللغة في هذه المعاجم ثلاث طرق مختلفة:
1- ترتيب الألفاظ بحسب مخارج الحروف21.
2- ترتيب أصول الكلمات حسب حروف المعجم مع مراعاة أوائل هذه الأصول.22
3- ترتيب الكلمات حسب الترتيب الهجائي، مع مراعاة اواخر الكلمة.23
و انقسمت في اثناء ذلك كله، و خلال هذه المراحل التي عرفها الانشغال الحثيث، و المعاناة المضنية باللسان العربي، المادة المعجمية إلى قسمين:
1- معاجم الالفاظ: و تفيد في الكشف عن معنى لفظ من الألفاظ و أقدم هذه المعاجم كتاب العين، و منها المحكم لابن سيده و لسان العرب لابن منظور...
2- معاجم المعاني: و تفيد في إيجاد لفظ لمعنى من المعاني يدور بخلدنا، و لا ندري كيف نعبر عنه بدقة، و من هذه المعاجم المخصص في اللغة لابن سيده.24

اللغة العربية في مواجهة تحديات العصر الحاضر
يظل السؤال الأكثر عمقا و الأشد إلحاحا في هذا السياق، الذي يشغل بال كل منشغل بتاريخ اللغة العربية في علاقاتها المتداخلة بالفكر العربي، و أسئلته الجوهرية عن التراث و عن التجديد، وعن موقع الأمة العربية ومن ثمة لغتها في سباق العولمة، و أنظمتها اللغوية و الفكرية، إجابة تصب كلها في الرغبة في رفع التحديات، ;والمساهمة   في الصراع الكبير من أجل البقاء، هذا السؤال هو الذي تحاول الحركة المعجمية العربية الراهنة وضعه في صيغ مختلفة، منطلقة في أثناء ذلك من الشلل الذي ذب إلى مستعملي العربية، فإذا كان الخليل كما رأينا حاول جمع المسموع من اللغة، فإن المعاجم التي جاءت بعده لم تنشغل بكل ما هو مسموع، بل صارت عملية تقليدية حيث " صار اللاحق يقلد فيها السابق، و لم تعد المادة المعتمدة مادة حية يجمعها اللغوي من الناطقين بلسانها، بل عاد ينقل عن غيره من الأسلاف في عصر التدوين، و يتجاهل ما جد من “ألفاظ المظاهر الحياتية، و مصطلحات العلوم التي ابتكرت و سرت على يد علماء كبار في الطب و النبات و الرياضيات والفلك و التاريخ والجغرافية،25  و معنى ذلك قصور الصناعة القاموسية عن "تلبية حاجات مستهلكيها.26 حيث إن الصناعة لم تعد قادرة على تغطية المادة المعجمية الجديدة للمفردات كما أنها لا تهتم بجوانب النطق والصرف و التركيب و الدلالة (...) و إنما تورد ما أوردت المعاجم القديمة...27 و هذه القطيعة مع المادة الحية المتوفرة عند متكلمي اللغة بدعوى فساد لسانهم جعل "المعجمية العربية تنقطع عن واقعها و تفقد دورها الأساسي في تمثيل الثقافة و الحضارة القائمتين...28.
تنهج الثقافة الفرنسية على سبيل التمثيل أسلوبا صارما في الحفاظ على فصاحة اللغة الفرنسية و سلامة أبنيتها حيث يعد المذيع الذي يستخدم اللهجة العامية في الإذاعة و التلفزة مذنبا يعرض نفسه لعقاب القوانين الخاصة بحماية اللغة الفرنسية، و يختبر أعضاء الجمعية الفرنسية الوطنية سنويا بإملاء الكتابة الفرنسية وتهجيتها29، فالعناية بالفصاحة جزء من الحفاظ على سلامة التفكير المنطقي من خلال احترام قوانين اللغة المعجمية و التركيبية التي من شأن إهمالها و عدم إبلائها حقوقها الواجبة أن يصاب المتكلم بهفوات في البنيات المعنوية لخطابه، و في المرجعية العربية لا ننس ما كان للسليقة العربية من أثر في إدارة اللسان العربي، قبل أن تفسد الملكة اللسانية التي دونت لها فيما بعد القواعد والضوابط القانونية التي أصبحت تتناغم و قواعد المنطق في الرقابة على أسلوب الكتابة خاصة، بينما ظلت الساحة الثقافية باستمرار تحن إلى حوار عربي فصيح على نهج ذلك الخطاب السليقي الذي كان تعبيرا عن ملكة لغوية مضبوطة، لن تستعاد دون مراحل او طفرات تأخذ في انطلاقتها تعميم التمدرس و التواصل، و تكثيف مشاريع محاربة الأمية، و تقريب وسائل الاتصال من الجمهور من خلال برنامج يهدف إلى تنمية و تطوير اللغات العامية، و للمعجم العربي يد طولى في هذا المجال إذا ما أحسن استعماله، و تم نشره على نطاق واسع، على الرغم مما يعانيه المعجم العربي من التحديات التواصيلة راهنا لعجزه عن مسايرة العصر.
لقد حاول المعجم الوسيط في تاريخ اللغة العربية الحديث أن يشكل موقفا جديدا بالنظر إلى ما سار عليه الأسلاف حين وقفوا باللغة عند بيئة معينة و عصر معين، لكنه يظل مع هذا، بعيدا كل البعد عن المعجم المنشود30. و المفارقة الجليلة التي برزت في هذا المجال هو ان المتأخرين من القدماء و المحدثين خالفوا متقدميهم في تحديد المصدر الأول للغة، وبذلك أماتوا المتكلم حيث " حولوا المصدر من شئ حي و غني، و هو المتكلم، إلى شئ سكوني و محدود هو المتن." 3، و هكذا فإن أية دراسة جدية للغة العربية لا تقوم إلا بتجاوز هذه الأخطار التي استحدثها رجل المعاجم فيما مضى، و الرجوع إلى طرق مرنة"  سنها رواد الحركة اللغوية في القرن الثاني على الخصوص، و في مقدمتهم الخليل بن أحمد في التعامل مع اللغة."32.
و عموما فإن إثارة وضعية اللغة العربية في الحاضر موضوع شائك، فاللغة العربية في وضع خطير، فهي تعاني من نكبات كثيرة أتى أغلبها من أهلها الذين فضلوا عليها اللغات الأجنبية في حياتهم اليومية، و في التعليم والإعلام بكافة أشكاله، فانزوت العربية في ركن قصي بعيد عن ركب الحضارة، و لم تعد لغة الإعلام و البحث العلمي، و حلت الإنجليزية أو الفرنسية محلها، و أصبح الكلام بالعربية دليلا على ضعف المدارك و ضحالة الثقافة، و لم يقف الأمر عند هذا الحد بل تعرضت قواعد العربية و أساليبها البلاغية للمسخ في وسائل الإعلام، من صحف و قنوات إذاعية و تلفزيونية بكثرة الأخطاء النحوية و الإملائية و التحريف و التصحيف، و في وسائل الدعاية و الإشهار."33
و يبدو انه في ظل هذه الإكراه و المعوقات التي تواجه اللغة العربية في سيرورتها و في ظرفيتها الآنية على وجه الخصوص، لاختراق منتجات الثقافات الأجنبية المهيمنة، و التي أصبحت اللغة العربية، و الفاعلون فيها أكثر تعايشا معها و بشكل مباشر في ظل العلاقات المكثفة التي فرضتها الإمكانات الحديثة التي امتصت المسافات الزمنية، و قربت بين الأمكنة، و اخترقت حدودها بطريقة مدروسة، تصبح مسؤولية العناية باللغة العربية هاجسا خطيرا، يشغل بال أهل الاختصاص كثيرا، فالتقنين للثقافة، و التوجيه للأجيال السائرة في أزمنتها، و البحث عن الأساليب المنهجية التي تحافظ على القدرة التواصلية للغة العربية تمثل تقنيات ذات أهمية في هذا السياق تؤدي فيه المؤسسة التعليمية و الجامعية دورا حاسما، لقيامها بواجب تكوين الأجيال المسلحة القادرة على الدفاع على الثقافة والحضارة، و لعله في ظل التوجهات الجديدة للجامعة، و التغيرات الجوهرية التي بدأت تعتمد في بنائها البيداغوجي و أسلوبها في التأهيل و التكوين داخل منظومة حركية تضع في حسبانها المستجدات الكونية، و المعايير الاقتصادية و الاجتماعية العالمية، يغدو الاهتمام باللغة العربية مسؤولية جسمية، فإن توجهاتها للمساهمة في حضارة العولمة سيغني البحث في الدرس اللغوي و الفكري العربي الذي يعتبر جذعا مشتركا في كبرى الجامعات العالمية، فاللغة العربية لغة عالمية، و لا يحق لها أن تتخلى عن هذه الريادة للمؤهلات التي تتوفر عليها، و تدفع عنها باستمرار أخطار التهديد أو الانقراض. كما أن المنظومة القانونية للفكر العربي الحديث لا تدع فرصة تمر دون التوجيه للجيل و للزمن الثقافي الراهن، و دون التنبيه إلى الخطر الذي يهدد عالمية اللغة العربية، على الانكباب على العناية باللغة العربية إبداعا و كتابة وتأليفا و نشرا و صناعة معجمية، و تكوين الأطر الثقافية لمتابعة سيرورتها في مواجهة التحديات. يقول د. علي القاسمي في كتابه " الجامعة و التنمية: " تقع على جيلنا هذا مسؤولية الحفاظ على عالمية اللغة العربية، لأننا ورثنا لغة راسخة منذ أكثر من ستة عشر قرنا، وتمتاز بثرائها اللفظي و النحوي على نظام اشتقاقي متطور، و لها رصيد معرفي هائل، و تستخدم حاليا لغة رسمية في المنظمات الدولية و الإقليمية كالأمم المتحدة و وكالاتها المتخصصة مثل اليونسكو، والتحاد الدولي للمواصلات السلكية واللاسلكية، والمنظمة العالمية للأرصاد الجوية، وتعد إحدى اللغات العالمية الكبرى الثلاث، هي الانجليزية و الاسبانية، فإذا أقصيناها عن ميادين العلم و الثقافة، فإننا سنقضي عليها بالضعف و الهوان، لأن عالم المستقبل يسوده العلم و تحكمه التقنيات، أو كما يقول محمد العربي ولد خليفة، سنحولها إلى لهجة فقيرة معدومة الموارد و التجديد، و نقضي على قاموسها اللغوي بالتوقف والجمود، فتمسي مقتصرة على التعبير عن الحاجات اليومية الموروثة عن الأجداد."34

اللغة العربية و قضية اللحاق بركاب العصر
يبدو أن إشكالية الحفاظ على عالمية اللغة العربية مازالت تستثني المجهودات التي قام بها دارسو اللغة العربية من الثقافات الأجنبية، وروادهم في المجال ألتوثيقي و العملي، و المكانة المتميزة التي تتبوؤها هذه اللغة في نفوسهم و في جل الأحيان التي يتاح لنا الاستماع إلى هؤلاء الباحثين ندرك تلك المكانة و ذلك الاهتمام ببنية اللغة العربية الموسيقية و الداخلية، فالقانون و اللغة و الفكر ثلاثية عميقة في الحفاظ على سلامة اللغة و فصاحتها و قوتها التأثيرية البلاغية، إذ أن اللغة معطى إنساني يستحق الحماية و الرعاية طالما ضمن شروط البقاء و التواصل، و لا أدل على ذلك ففي المقابل لا نخفي الإعجاب بنماذج وعينات كثيرة من مثقفينا و قدرتهم العالية في التأليف والمحاضرة و الإقناع و التعبير بلغات عالمية أخرى، وكثير منهم استعان بمقدرته الشخصية في الزيادة في صياغة و تنمية ملكاته تلك التي أهلته فيما بعد لكي يكون نجمة ساطعة في سماء هذا العالم، وعمادا في العديد من المنظمات الدولية.
غير أن ذلك لا يحد من صياغة أسئلة جديدة تنبثق عن الإشكالية العميقة، و تتبدى في عنوان مجسم و كبير" معركة اللحاق بركاب العصر"، فاللغة العربية كي تشارك في الحضارة الإنسانية، وتساهم في الإنتاج المعرفي، و تواكب التقدم العالمي، و تؤدي الدور المطلوب على أكمل وجه، يلزمها أن تستثمر منتجات العقل البشري في معجمها التواصلي اليومي، مما يلعب دورا كبيرا في انفتاح الأمة العربية على التواصل مع باقي جهات العالم، غير أن هذا التواصل الثقافي لا ينبغي أن يتم على حساب اللغة، فلكي تشعر الحضارات الإنسانية بأهميتها يلزمها أن تطور أساليب التواصل كي لا تتم المحاورات و المجابهة على مستوى الانغلاق الذاتي الذي يعد منبعا لمخاطر الانحطاط و الانقراض اللغويين، و التاريخ مقياس دقيق في هذا السياق و في كل مرحلة من مراحله يشهد الكون ثورات بنيوية تطرح على الفكر البشري مسائل التواجد على الخريطة الثقافية، و المساهمة في منتجاتها، و لا يغفل أحد ما للترجمة من جهود في العمل الحضاري البنيوي، و لعل إبلاءها ما لها من أهمية يتيح تخطي الكثير من العقبات في حل لغز إشكالية اللحاق بالعصر، ذلك أن " الحديث عن الترجمة هو حديث الحضارة و التواصل بين الثقافات، حديث التطور و مواكبة المستجدات، و السير في طريق التحديث والمعاصرة، هو حديث طويل متشعب غاية في الأهمية، لكنه يكتسب أهمية خاصة بالنسبة لنا – نحن العرب – لسببين أساسيين، أولهما أن الازدهار العلمي الغابر الذي نعمنا به في ماضينا الزاهر، إنما قام إلى حد معين على أكتاف الترجمة من اللغات القديمة، لا سيما اليونانية و الفارسية، و ثانيهما أن تخلفنا الحاضر يفرض علينا ضرورة اللجوء إلى العلوم و الثقافات المتقدمة حتى نترجمها، و نستفيد منها في معركة لحاقنا بركاب العصر."35، و لا يشكو العالم العربي من الهياكل الفاعلة في هذا المجال، غير أن التفعيل الرئيس من أجل خلق ديناميكية و فعالية لاستساغة المشروع الحضاري الكوني مازال بعيد المنال و يحتاج إلى خطة دقيقة تشمل المجتمع برمته و سياسته التعليمية خاصة، فالنظام التربوي يعتبر سبيلا قويما في نشر اللغات، و الحفاظ على قوانينها و أفكارها، و متابعة تفاعلها و تأثيرها في الثقافة و المجتمع.

دور التعليم في المجتمع العربي حماية الحقوق اللغوية
إن أهم ميزة في اللغة هي التواصل، يأتي الحديث في هذا الموضع عن الخطر الذي يداهم اللغة العربية، فالكلام يأتي |أكثر ارتباطا بالمؤسسات العلمية و معاهد البحث حيث تعتبر الرائد في تتبع الأحوال الفكرية و التحولات المعرفية، و نتائج البحوث في اللغات والثقافات الأخرى، و من ثمة تؤدي دورا كبيرا في حماية الحق اللغوي باعتباره ركنا أساسيا في حماية اللغات. "فاللغة تعتبر بمثابة مؤسسة اجتماعية من نمط خاص، ترتكز على استعمال الكلام قصد إيصال الأفكار، تتعدد وظائفها و تدخل دراستها ضمن علوم عديدة كالعلوم الاجتماعية، و علم العلامات (أو السميولوجيا)، و علم النفس، و علم التشريح و وظائف الأعضاء، في ارتباط مع علوم اللسانيات التي تنكب على دراسة اللغة. تحيلنا وظائف اللغة على واجباتها نحو المجتمع و حقوقها عليه فماذا يعني الحق اللغوي؟"36.
و تدريجيا وضع هذا السؤال في هذا المفصل من البحث بالذات، لنلج من خلاله إلى عرض خلاصات دقيقة تحلل كثيرا من معميات اللحاق بالركب الحضاري التي تشغل الجيل الحاضر في ظل فلسفة العولمة التي تهيمن خلال هذه الألفية الثالثة، صارت معها كثير من القيم و المفاهيم الكبيرة ذات مدلولات باهتة، و وظائف محصورة، و انتشار ضيقا.
تتمتع اللغة بحقها في الوجود حيث إنها "تشكل أساس الهوية و العنصر الرئيسي في التراث، وهي بذلك تتصدر الظاهرة السوسيو ثقافية في كل مجتمع. و من هنا علاقتها الوثيقة بالسلطة السياسية، لأن الدولة ذاتها تعد مستعملة دائمة للغة و ضامنا لها مادام اعتمادها في الإدارة يكسبها قيمة في نظر المواطن. إضافة إلى ذلك، فإن مسؤوليتها في مجال التعليم العمومي، و تلك التي تكون أقل في المجال السمعي البصري. تجعل منها عنصرا في استعمال اللغة و تعييرها و نشرها و تطورها. و اضطلاع الدولة بهذه المسؤولية حاسم في وجود اللغة وتطورها و الحفاظ عليها."37، و يرتبط بهذا الحق حقها في البقاء الذي تتدخل فيه شروط محددة من اجل ضمانه للغة (نجاح النظام التعليمي، و دور الدولة في اختيار اللغة الرسمية اختيارا مقبولا)38، و من شان هذا كله أن ينمي حقها في التطور مسألة جوهرية في حياة اللغة و حياة الناس المتكلمين بها، لمساهمة هذا الحق بفعالية في الحضارة الكونية المعاصرة، و الحياة اليومية و تجلياتها الثقافية، و يبرهن البرهنة الصادقة على حسن إدراكها و التفاعل معها حيث يلعب الاندماج العقلاني، و المساهمة في الحركية المتصارعة، و الإنتاج الثقافي المحايث لكل هذه الثورات العلمية دورا أساسيا في تقريب العصر من المجتمعات المتخلقة و السائرة في طريق النمو، و سبيلا لتطوير لغاتها، و تبعا لذلك فإن " تطور اللغة يفرض تأهيلها لكي تصبح وسيلة سهلة في أشكال التبادل الحديثة و التقنيات المعتمدة فيها. كما يفرض التشجيع على توظيف هذه اللغة في الشفوي و المكتوب، و في الحياة العامة، و خاصة منها العلاقات مع الإدارة، و استعمالها في برامج التكوين و الإعلام و التنمية الاجتماعية و الاقتصادية و الثقافية، و أيضا ضرورة مسايرتها لمجالات المعرفة الحديثة، عن طريق إيجاد المصطلحات و التعبيرات الجديدة، و نشر المعرفة بالألفاظ التقنية و استعمالاتها ".39، و تحافظ اللغة على حقها في الوحدة بواسطة النضال من أجل المساواة بينها و بين اللغات التي قد تشغل و إياها حدودا جغرافية واحدة، حيث إن الاختلاف الطبيعي بين اللغات موجود، و درجات التفاوت في الاستعمال و الأهمية موجودة: "هذا التفاوت الطبيعي بين اللغات تعبير عن اختلافها الضروري، و هو يبرز أصالتها، و يشكل إغناء لتراث الإنسانية اللساني والثقافي”.40
ويبدو أن نتائج بحث الدكتور عبد الهادي بوطالب تبرز الخطوات الكبرى في التعامل مع إشكالية الحفاظ على اللغة و الدفاع عنها و استغلالها في المجتمع، حيث يستحيل الفصل بين اللغة و المجتمع والدولة و المنتظم الدولي في تقاسم مسؤولية رعاية الحقوق اللغوية، غير أن التخطيط اللغوي كغيره من أساليب التنمية تعترضه إكراهات متعددة، و خاصة تلك المتعلقة بأشكال الحفاظ و أساليب الرعاية، فإن كل تخطيط لغوي يحتاج إلى الوضوح في الأهداف، و حين ينتقل إلى مرحلة التطبيق دون توفر على الوسائل و الموارد اللازمة، و دون تقييم لمرتباته الاجتماعية ينتهي إلى الفشل، أو يؤدي إلى نتائج وخيمة على المجتمعات، من الأفضل في هذه الحالة الامتناع عن التدخل عوض العمل دون تحديد للهدف الشامل.”41، و غياب هذه الأسس في النهوض باللغة العربية و اتخاذها هدفا شاملا يصدر عن تصور دقيق لعملية التطبيق، و الممارسة على نطاق واسع في كافة نواحي الحياة على مكانتها وريادتها بين اللغات التي أسدت للحضارة الإنسانية جهودا كبيرة في سبيل ملاحقة المعارف و العلوم، فقد كانت اللغة العربية كما يقول سارتون: “لغة العلم الانتقائية للجنس البشري حتى لقد كان ينبغي لأي إنسان إذا أراد أن يلم بثقافة عصره و بأحدث صورها أن يتعلم اللغة العربية.”42.

الأخطار التي تهدد اللغة العربية
يتمثل الخطر على اللغة العربية في ثلاثة أمور:
1- افتقاد العربية من يدافع عنها حضاريا بمواقف و إجراءات سياسية و قانونية، فليست هناك حكومة عربية تعتبر نفسها مسئولة عن مستقبل العربية و الحفاظ عليها، و تدبير ما يلزم لذلك، مثلما نجد بالنسبة للإنجليزية و الفرنسية.
2- انعدام الشعور بالخطر المحدق باللغة العربية، و عدم إدراك مبلغ الوهن و الضعف الذي لحقها خاصة لدى النخب المثقفة التي تمثل طليعة المجتمع.
3- غياب اللغة العربية من مشاريع تقنيات المعلومات لدى أهلها المتخلفين في هذا المجال، و لولا الشركات العالمية صاحبة القدرات و الخبرات و مخططات الاستثمار سواء في برامج الحاسوب،أو في الانترنت و بعض الشركات العربية القليلة المشتغلة في الغالب دون دعم حكومي، لما كان للعربية شأن يذكر في التقنيات الحديثة43.
على من تقع مسؤولية حماية اللغة العربية
كتب الدكتور عابد الجابري عن الوجدانية الزمنية و التاريخية للثقافة العربية فقال: "ماذا تغير في الثقافة العربية منذ الجاهلية إلى اليوم؟... إننا نشعر جميعا بأن امرأ القيس و عمرو بن كلثوم، وعنترة ولبيد و النابغة و زهير ابن أبي سلمى... و ابن عباس و علي بن أبي طالب، و مالك و سيبويه و الشافعي و ابن حنبل... والجاحظ و الطبري و المسعودي و ابن الأثير... و الفارابي و ابن سينا وابن رشد و ابن خلدون.... و من بعد هؤلاء جمال الدين الأفغاني و محمد عبده، و رشيد رضا والعقاد، و القائمة طويلة..... نشعر بهؤلاء جميعا يعيشون معا هنا، أو يقفون أمامنا على خشبة مسرح واحد، مسرح الثقافة العربية الذي لم يسدل الستار فيه بعد، ولو مرة واحدة."44ن و اللغة تحافظ على وظيفتها العملية من خلال هذه الأدوار التي يؤديها أهل اللغة العربية على خشبة مسرح الثقافة العربية، فتحل شخصيات أولئك الكبار : الفارابي، الخوارزمي، ابن خلدون، ابن رشد، ابن زهر، ابن البناء سيبويه، الخليل، ابن جنى، ابن سينا، ابن منظور، وتتقمص توجهاتها في خدمة تاريخ الفكر العربي، فهذه النماذج تجسد المنطلقات في أي مشروع ثقافي حضاري أو لغوي عربي، ولا يحق بأي حال من الأحول الانسلاخ عنها، أو قطع الصلة بها، فهي "ثوابت هذه الثقافة، وتؤسس بالتالي بنية العقل الذي ينتمي إليها العقل العربي"45 وحيث إن الأمر كذلك فإن مسؤولية الدفاع وحماية النص و اللغة العربيين تصبح مسؤولية جسيمة تتقاسمها الدولة و المجتمع المدني و الجمهور مع ملاحظات أساسية في العلاقة بين هذه الأطراف في المجتمع العربي في التخطيط اللغوي، فاللغة العربية مناط الكلام هي اللغة العربية الفصحى التي لم تعد اللغة الأولى، فالطفل العربي لا يخرج إلى محيطه ليلتقط لغة عربية فصيحة متداولة في الأفواه، بنفس الكيفية التي يخرج بها الطفل الفرنسي إلى محيطه ليتعلم الفرنسية، أو الإنجليزي ليكتب الإنجليزية،46 وتأسيسا على هذا، يبدو أن تدخل المجتمع المدني ومساهمته في التخطيط لصحوة لغوية يعد من متممات دور الدولة في هذا المجال، بل ويعمق الشعور بالخطر الذي يتهدد اللغة العربية الفصيحة، تحسيسا بالواجب الملقى على عاتق كل أفراد المجتمع حتى لا تنحصر اللغة العربية في ميادين محدودة ولدى عينات من الدراسين تحديدا.
بل على الكل أن يساهم في مجال تخصصه المعرفي، و قدراته الوظيفية في ربط اللغة العربية بالمحيط الاجتماعي الاقتصادي، وإغنائها بالترجمة و الأفكار وتعميق الحوار بين ماضيها وحاضر ومستقبل أبنائها  لتحقيق ذلك على سبيل المثال تأسست في إمارة الشارقة بالإمارات العربية المتحدة جمعية حماية اللغة العربية سنة 1999، وأصدرت أهدافا تعتبر بيانا جديرا بالاستلهام في مجال الدفاع عن اللغة العربية، منها :
1- دعوة الجهات المعنية في المجالات الاقتصادية و التجارية وهيئات التسيير المحلي وقطاع الخدمات لعقد ندوات وتنظيم مؤتمرات موسعة تبين أهمية استخدام اللغة العربية في تلك القطاعات.
2- نشر الوعي بأهمية اللغة العربية في المجتمع، ومخاطر ما تتعرض له من إهمال وإهدار.
3- السعي لدى الجهات التشريعية وحثها على إصدار قوانين وتشريعات لحماية اللغة العربية في المؤسسات والإدارات، وخاصة في مجال المعاملات والمراسلات اليومية.
4- العناية بدور وسائل الإعلام، ودورها الريادي في الحفاظ على اللغة العربية.
5- إنشاء جمعيات مصغرة في المدارس بالتنسيق مع الجهات المسؤولة ووضع برامج تشجيعية مقترنة بحوافز مع مراعاة مستويات المراحل التعليمية.
6- التعاون مع الجمعيات النسائية و المهنية و الاجتماعية عامة في النهوض بالعربية.
7- دعم و تشجيع الباحثين في الدراسات اللغوية العربية بجميع تخصصاتها و أنشأت الجمعية موقعا هاما  متنوعا على الشبكة العالمية على العنوان التالي : www.ale.faa.com يمكن زائره من الوقوف على أنشطتها، والاستفادة من أساليب العمل و الطرق المقترحة.47

الحركية التاريخية للمعجم العربي و دورها في الصناعة المعجمية العربية الحديثة
يبدو من خلال هذا العرض السريع بعض الهموم و الإشكاليات الكبرى التي تواجه مسار اللغة العربية الفصيحة للحفاظ على كونيتها و ريادتها إلى جانب اللغات التي تحظى بانتشار كبير في أرجاء العالم وبين شعوبه لما تؤديه هذه اللغات في المجالات العلمية والتقنية، ولعل طرح هذه الوضعية الجديدة للغة العربية يثير بقوة أهمية المعجم العربي في القيام بالجزء الكبير من هذا المشروع، وكنت في بداية هذا البحث قد أشرت إلى التعاريف الأساسية للصناعة المعجمية، وإلى نشأتها والحاجة التي استدعتها منذ إرهاصاتها الأولى حتى انتهى المشروع الى مؤلف معجمي ضخم سماه ابن منظور لسان العرب، ولقيت هذه الحركة للمعجم العربي القديم تتبعا خاصا في كتاب "معجم المعاجم" للمرحوم الأستاذ أحمد الشرقاوي إقبال الذي عرف فيه بنحو ألف ونصف ألف من المعاجم العربية التراثية.48 شعورا بوظيفته العملية وحضوره الأساسي في دراسة اللغة العربية ذلك أن المعجم العربي القديم مصدر يرجع إليه الدارسون وهو في هذه السعة بدع بين معجمات اللغات الأخرى، فالمعجم في جمهرة من اللغات مظنة للكلم ودلالاتها، أما معجمنا القديم فشيء يتجاوز هذا الحصر فهو كتاب (لغة) يقبس الدارس فيه جملة معارف تتصل بالمادة اللغوية من حيث هي مفردة لحالها تنتظم جملة أصوات يعرض لها اللغويون الأقدمون عرض المعلم لمادة علمية يهيئونها زادا للطلبة و الشداة، وهي مادة تدخل في سياقات عدة منها الجملة ومنها الدلالة وانصرافات في جملة أنحاء متأثرة بالبيئة بدوية كانت أم حضرية، و من هنا كان أمام الدارس مجال أن يدرس هذه اللغة العريقة دراسة تاريخية بادئ ذي بدء ثم يعود إليها فيدرسها في ضوء أحدث النظريات العلمية".49، وتمكن هذه الدراسة من الحفاظ على سلامة اللغة من جوانبها الشكلية و الدلالية، ومن ثمة الحفاظ على العلاقة الوجدانية بين النص العربي و القارئ، تلك العلاقة التي تساهم على جانب كبير من الأهمية في الحفاظ على هوية اللغة وخطابها الوجداني.
يحتل المعجم العربي في نفوس دارسي اللغة العربي منزلة كبيرة، تتمثل خاصة في تلك الرغبة الدفينة لدى الجميع في حفظ مواده ومفرداته، فإن امتلاك قدر كبير من المفردات اللغوية يشكل ثروة علمية ولفظية تمكن المتكلم من المشاركة الفعالة في الحوار و الكتابة، حيث إن المساهمة في البحث العلمي تتأسس على هذه الثروة اللغوية ومصطلحاتها بالأساس وتبرهن على عمق استلهام تاريخ المعرفة وأحدث مستجداتها و التي ترتبط جدا بمجال التواصل الثقافي، الشيء الذي يفسر أهمية الملكة في الصناعة المعجمية من جهة، و في رفع التحديات التي تواجهها اللغة العربية من جهة ثانية غير أن الصناعة المعجمية العربية الحديثة تحتاج إلى مجهودات جبارة من أجل النهوض بهذا الجانب عند متكلمي اللغة العربية، وخاصة الاهتمام المبكر بالملكة المعجمية لدى الطفل وتمرينه على امتلاك قدر من الألفاظ و المصطلحات في كل مستوى دراسي، حتى إذا أنهى مراحله الدراسية يكون قد امتلك معجم تخصصه المعرفي، و هذا الهدف يعتبر خطوة أولى في الصناعة المعجمية، يقول د. عبد القادر الفاسي الفهري : "و مهما يكن من أمر المعاجم العربية الحديثة، وأمر ما وصل إليه البحث المعجمي العربي، فإنه لم يصل بعد إلى وضع قاموس عام متوسط من مثل Le petit larousse الفرنسي أو لاروس الأطفال The shorter oxford English dictionnary في أحجام مختلفة، أو غيرهما من معاجم الأمم الأخرى التي يبلور فيها القاموس ثقافة العصر ولغته، ويستجيب للأهداف المتوخاة من وضعه."50 فغاية الصناعة المعجمية إقامة الجسر بين المتكلم و بين اللغة لبعث الحياة في الألفاظ وحسن استعمالها في الإنتاج و التعبير والكتابة، فاللغة تساهم في نقل المعارف و الخبرات بين الماضي و الحاضر، وبين الأمم والثقافة، ولذلك قامت صناعة معجمية في مختلف الثقافات، وعند العرب لحفظ لغتهم و حفظ خصائصهم الفكرية و الوجدانية التي هي ميزات تفردهم بين الأمم و الشعوب مما يؤسس تاريخ اللغة العربية بامتياز، دون أن نغفل في هذا التحليل عنصر التطور في اللغة الذي يحرر التواصل من المفردات المهملة التي لا تفقد مع ذلك قيمتها المعرفية التاريخية وفي كل اللغات قسم خاص بدراسة هذه الجوانب في تاريخ اللغة و المعجم.
 يثير الحفاظ على اللغة إذن من خلال المعجم العربي أسئلة كثيرة حيث تغدو الإشكالية متداخلة، فهموم اللغة العربية الفصيحة تصير هي هموم المعجم العربي، فالإحاطة بثقافة العصر تبدو في الصناعة المعجمية العربية الحديثة موزعة بين معاجم وموسوعات عديدة يعسر لم شتاتها في مؤلف في متناول جل دارسي اللغة العربية، كما أن برمجة المواد اللغوية في الحواسيب وهي من الأساليب النافعة في هذا المجال لا تزيد هذه الإشكالية إلا تعقيدا و لا تعتبر الحل ا لأنجح في تقريب اللغة العربية من الدارسين باعتباره هدفا أساسيا في كل صناعة معجمية عربية لن تكتمل أهدافها دون أن يصبح المعجم مقررا من مقررات التكوين في جميع مراحل التعليم و التكوين وعاملا قويا في الكشف عن المقدرات الإبداعية، وفي تكوين الثروات اللغوية من خلال نسج العلاقات المتداخلة بين الدارسين و بين جميع فروع المعرفة و العلوم المدروسة التي تمكن الباحثين من إغناء المعجم بمستجدات المعارف والمصطلحات بواسطة الحوار الثقافي، مما يشكل العدة الأساسية في تمثل ثقافة العصر وتقريبها من أهلها، و في هذا الإطار تشكل المعاجم المزدوجة أو متعددة اللغات خطوة ضرورية أساسية51، غير "أن هذه المقابلات العربية تبقى مجرد مولدات في بطون المعاجم، ولن تكتب لها الحياة، وتصبح مصطلحات فعلية إلا عندما يشيع استعمالها بين المختصين، و في غرف الدرس ومختبرات البحوث، ويتم تداولها في المراجع و الكتب المدرسية و المطبوعات الأخرى ووسائل الإعلام"52
ويبدو أن الاندماج في ثقافة العصر، و الصدور عن ثقافة عربية متفاعلة لن يتم إلا من خلال حوارية بين مواد المعجم العربي في ماضيه، وخطواته الراهنة في المجالات الأدبية و العلمية المتنوعة و التي لم يتح لها بعد الانتشار الموسع للهدف المرغوب في غياب الحملات التحسيسية بأهمية دراسة المعجم العربي و اعتماده مفتاحا ثقافيا يوميا في ربط الجسور بين المصطلحات الجديدة واستلهام مفاهيمها وتذويب الحواجز التي تعرقل إقحام هذه الفلسفة في النصوص الأدبية و الخطاب اليومي كأوليات جوهرية في المساهمة في الحضارة العالمية الراهنة بواسطة اللغة العربية التي تتميز بالخصائص التي تؤهلها لأن تكون لغة الإنتاج و الإبداع و التكامل المعرفي والعلمي و الفلسفي بين جميع الثقافات.53
وأشير في نهاية هذا المقال إلى دور التعليم المتزايد في هذا المجال، من خلال نشر التعليم المتعدد اللغات والثقافات سبيلا للحفاظ على الهوية الثقافية و اللغوية، فالبحث الحديث في مجال التربية يؤكد على سلبيات تعليم أحادي، ويبرز إيجابيات التربية المرتكزة على الاختلاف والتعدد الثقافي، وبالتالي التعدد اللساني، ولذلك فإن منح الاعتبار لهذا التعدد يشكل عنصرا أساسيا في مرد ودية التبادل، ويبدو الحل الأفضل لتجنب تهميش اللغة الوطنية”54.

الهوامـش :
1- د.إميل يعقوب : المعاجم اللغوية العربية، بدايتها وتطورها، دار العلم للملايين بيروت، ط1، 1981، ص:9.
2- د. حسين نصار : نحو معجم جديد، مجلة الفكر العربي ع : 8-9 يناير – مارس 1979 السنة الأولى : ص : 17.
3- مجلة دراسات أدبية ولسانية ع6 – ربيع 87 – ص 58.
4- نفسه : 58
5- نفسه : 58
6- د. عبد القادر الفاسي الفهري : المعجم العربي نماذج “تحليلية جديدة : سلسلة المعرفة اللسانية، ط1، 1986، دار تبقال – الدار البيضاء : 13.
7- د. عبد العلي الودغيري، المعجم العربي بين التطور والجمود، مجلة الموقف ع 1 : السنة الأولى، رجب 1407  مارس 1987، ص48.
8- نفسه : 47
9- نفسه : 47
10- نفسه : 47
11- نفسه : 48
12- نفسه : 45
13- نفسه : 48
14- نفسه : 47
15- نفسه : 48
16- د. عبد القادر الفاسي الفهري : المعجم العربي : 17
17-  السيوطي : المزهر في علوم اللغة دار الفكر ج1 : 76
18- المعجم العربي : نماذج تحليلية : 17
19- د. امجد الطرابلسي : حركة التأليف عند العرب في اللغة و الأدب : ط5 – 1406- 1986 دار قرطبة – الدار البيضاء ص 15.
20- نفسه : 22
21- نفسه : 23
22- نفسه : 32
23- نفسه : 37
24- نفسه : 10
25- المعجم العربي : نماذج تحليلية : 18
26- نفسه : 13
27- نفسه : 13
28- نفسه : 19
29- د. على القاسمي : الجامعة و التنمية، سلسلة المعرفة للجميع، 2002 منشورات رمسيس- الرباط ص27.
30- المعجم العربي : نماذج تحليلية : 21
31- نفسه : 20
32- نفسه : 20
33- د. المهدي بن محمد السعيدي : الدفاع عن اللغة العربية ومسؤولية المجتمع المدني جريدة العلم ع: 19594 الثلاثاء 20 ذو القعدة 1424 – 13 يناير 2004 ص 5.
30- المعجم العربي : نماذج تحليلية : 21
31- نفسه : 20
32 نفسه : 20
33- د. المهدي محمد السعيدي : الدفاع عن اللغة العربية ومسؤولية المجتمع المدني جريدة لعلم ع: 19594 الثلاثاء 20 ذو القعدة 1424 – 13 يناير 2004 ص : 5.
34- الجامعة و التنمية: 178
35- “دراسات في الترجمة و المصطلح و التعريب، تأليف شحاذة خوري” عرض وتحليل: ياسر الفهد: مجلة العربي الكويتية ع : 379 يونيو 1990، ص : 197.
36- د. عبد الهادي بوطالب : الحقوق اللغوية : دار الكتاب، ط 1 : 1424-2003 مطبعة النجاح الجديدة، الدار البيضاء، ص: 18.
37- نفسه : 38
38- نفسه : 41-42
39- نفسه : 59
40- نفسه : 67-68
41- نفسه : 79
42- ذ. علي عبد الله طنطاوي : الاستشراق : نشأته وأهدافه، مجلة الوعي الإسلامي ع : 204 ذو الحجة 1401، أكتوبر 1981، ص 68.
43- العلم ع: 19594: ص 5.
44- د. محمد عابد الجابري : تكوين العقل العربي، نقد العقل العربي 1 دار الطليعة – بيروت ، ط1، مايو 1984 : ص : 38-39.
45- نفسه : 39
46- المعجم العربي : نماذج تحليلية : 20-21
47- العلم ع 19594 : 5
48- انظر : معجم المعاجم : تعريف بنحو ألف و نصف ألف من المعاجم العربية التراثية الأستاذ أحمد الشرقاوي إقبال، دار الغرب الإسلامي ط 1 : 1407 – 1987.
49- د. إبراهيم السامرائي : ماذا في المعجم ؟ بحث في علم اللغة التاريخي : مجلة الجامعة تصدرها جامعة الموصل، ع : 6، السنة التاسعة : آذار: 1979 ص : 10.
50- المعجم العربي: نماذج تحليلية: 14
52- الجامعة و التنمية: 193
53- أنظر على سبيل المثال قائمة المعاجم الموحدة التي نشرها مكتب تنسيق التعريب و التي تضم حصيلة المصطلحات الموحدة التي أقرتها مؤتمرات التعريب، و هي تناهز ثلاثين معجما، وتضم حوالي مائة وخمسين ألف مصطلح، في بحث الجامعة و التنمية للدكتور على القاسمي : 195-197.
54- الحقوق اللغوية: 62


      مجلة دليل الكتاب :
  • الصفحة الرئيسية
  • لإرسال المقالات أو التعليقات

      أقسام المجلة :
  • قراءة في كتاب
  • قراءة في ديوان
  • قراءات مختارة
  • قراءات نقدية
  • ثقافة وآداب
  • أبحاث ودراسات
  • أشعار وقصائد
  • مؤتمرات ومهرجانات
  • معارض
  • مقابلات
  • تحقيقات
  • أراء خاصة
  • مواضيع المجلة
  • قصة قصيرة
  • أخبار ومتابعات
  • فيافي الأقلام
  • ما يكتبه القراء
  • سيرة ذاتية
  • إصدارات
  • كلمات في الخاطر

      الجديد :



 الرحيل...

 مقاومة بالمحكي

 تواشيح الورد أنموذجا

 الكاتب والشاعر محمد الدسوقي في قصيدته أرأيتم دمشق:

 أرأيتم دمشق ..؟!

 أرملة العنكبوت للقاصة هيام الفرشيشي: لعبة الكتابة والتلقي

 رواية طمارة كما شاءت.. لمراد البجاوي

 روعة يونس في أعلى من سماء:

 تقديم كتاب: تعارضات المركز والهامش في الفكر المعاصر

 سليمان العيسى... وريث النكبات وشاعرها


      البحث في الموقع :







      مقالات عشوائية :



 ريشة الفنان د.مصدق الحبيب بين دلاء نساء الغراف و عاريات منهاتن

 الغجريّة

 نــداءات مجهولــة التواقيــع

 المعجم العربي و هموم اللغة العربية

 سيمياء اللون ... في «رياح وأجراس»

 غزّة... الدرس الأخلاقيّ

 لبنــان: كثيــرون يواصلــون الرحلــة

 مقابلة مع الشاعر والرسام نوري الراوي

 علمنة دين جورج طرابيشي ودولة القرضاوي الإسلامية

 الأذواق الشخصية باعتبارها معيارا في المفاضلة بين الشعراء


      وأيضا :
  • موقع دليل الكتاب
  • الصفحة الرئيسية
  • أرشيف الموقع
  • أضف الموقع للمفضلة
  • إجعل الموقع رئيسية المتصفح

      العنوان :


دليل الكتاب
الوسيط الثقافي بين القارئ والناشر

نعتذر من زوار موقع دليل الكتاب

D a l i l    A l  K i t a b   .   N e t

عن توقف الموقع بسبب التحديث

الناشر

ديوان الكتاب للثقافة والنشر

المدير المسؤول : خالد الغُربي
مدير التحرير : علي دهيني

طريق المطار - خلف مبنى الضمان الإجتماعي - بناية جابر - ط1
هاتف وفاكس : 01451552
ص.ب : 1001/85 - 2010
dalil-mag@hotmail.com


Designed , Hosted  &  Programmed by : King 4 Host . Net