|
حين يَئينُ القِطاف عند الشاعر هنري زغيب، " يُحوِّش" عناقيده من دوالي عِبّه ليأتي خمر القصائد مُعتقا ً ، فلا محيد عن تجرُّعه فـمّـا ً فـمّـأ ً ليستطيب لك المذاق.
هنري زغيب، حين ينقلك من حيث أنت لتسكن في بيت بناه، يعني انه يدعوك الى الخروج من " همروجة" النـّـظم وتركيب القوافي الى السكينة والهدوء بين سبائك "النضائد" كما عبر الشاعر سعيد عقل عن ديوان " صديقة البحر".
في مجموعة بين أيدينا من تسعة دواوين ، نقرأ في مقدمة ديوان" أنـْتِ... ولتنته الدُّنيَا" ما يقوله الشاعر عن الشعر: " في كل شعر قصيدة، ولكن ليس في كل قصيدة شعرا"، لذا نراه في بداية كل ديوان من دواوينه يرسل خطابا لقارئه يُسهب فيه الشرح والتعريف بما " سبك" من الشعر وكيف أدرك غاية القصيدة، ليخلق حول ديوانه حصنا لصدِّ متجن ٍ او طارىءٍ على هذا الأدب / الفن. ويشير إلى أنه ليس ضد الشعر العامودي الكلاسيكي لكنه يراه ستارا... " إذْ غالبا ً ما يختبىء فيه الشاعر وراء البحر والوزن والتفعيلة والقافية والروّي وشكل القصيدة" لأن بنظره لا بد من إطلاق حرية " رفرفت" جوانح القصيدة في فضاء المنظومة الشعرية الكاملة للموضوع بالصورة والسؤال والجواب والبداية والسرد والخاتمة. إذنْ ، هو لا يُلملم الكلمات ويرصفها تحت القافية لصنع قصيدة، بل يفرغ أفهام فكره لمعنى الشعر وغايته، فيطلق أعِـنـَّـة أفراسه ترمح على المدى المفتوح أمامها بناءً شعريا ً بلاغيا ً، وقيافة جمالية " يتدافش" فيها السمع والبصر ويتزاحما على نقل قصائده إلى ألأذهان. لا يسعك أن تقرأه دون أن تشعر أنك تسمعه. من حق هنري زغيب ان يُـبـْـدِر إلى أذهاننا انه يحاول توليد نواة مدرسة جديدة في استيعاب الشعر تبدأ بالشاعر ومن ثم بالقصيدة لتنتهي بمهما معا ً. هو يترك مساحة بين الشاعر والشعر ليتحاورا معا ً ، فإما أن، يلتقيا وإما ان يفترقا. يعنيه الشعر الذي يحرك الشاعر. وحين يتحرك الشاعر، يبرح مكانه ليلتقي مع الشعر لا مع قيافته فقط، لأن الشعر عين مكان موجودة في كل زمان لتحمل قضية ولدت يوما ً بعد يوم. حين يتحدث عن الشعر، كأنه يتحدث عن حبيبته. وله بين الشعر والنثر وبين العامودي والحديث متنزهات على مدى الممرات الطويلة وسط هذه الحدائق . حينا يترك العنان ليديه تلاعب بأناملها مندرجات لسانه بقصد، وعن قصد، بأن تسمعه بأذنيك وإن غـُـلب الفهم ، فبنظرك من خلال انطواء ألأنامل وفتح وضم ألأذرع. وحينا آخر يكتف يديه خلف ظهره ليعطي رَحِمَ ألإبداع الشعري في ذاكرته بذرة مؤصلة لتولد قصيدا ًجديدا ً . ولا تكون الولادة ، بعد التلقيح ، إلا ّ في خشوع المحراب وتجلـّي الإبتهال: تؤرقني القصيدة من عناء فأصرخ من عذاب مستلذ أحاذرها واعشقها! فلولا هواها لاختزلت الى ارتحال وإن حمّى القصيدة فاجأتني انصرفت، بجميع ما أنوي، إليها تمام تهيؤ ورع أفيها طقوسيا معايير الدلال وسحر الشعر أنَّ له وصالاً فكل قصيدة خلق جديد و... مضُّ ولادة حتى يكاغي جنين الشعر بشرى بالجلال ( ديوان "مِنصّة" صفحة 67/68 ) يخشع للشعر. يحاكي الوطن، فيصلي. يحاكي القضية، فيصلي. يحاكي الحبيبة، فيصلي. لا ينسى ان الإنسان خلق من مادة وروح وحين يحاكيه، يجب ان يحاكي الإثنين معا ً: الى الأبد... وتندى بينهما نقزة الحياة يتوغلان فيهما أعمق ويغرقان، أعلى، كل صباح. ولأن الحلم نافذة الحقيقة يتحدان في جسد واحد لا بقاء فيه بل جسرا لا بد منه للعبور ولا بد من عبوره لبلوغ الروح فالجسد الوسيلة... والوصول الروح والجسد الى الآن... والروح الى كل أوان والجسد له شكل... والشكل قد يتغير وربما يضمحل والروح لا شكل لها... فهي الى دهر الداهرين. هكذا حبهما يولد اقوى كل صباح يتقمص خلية الجسد الى خلايا الروح ليظهر أبهى كل مساء ويتجدد.
مدير التحرير
|