|
ليس عليك أن تنقّب باحثاً عن الجمال والإشراق لتصل الى حلاوة العبارة الشعرية، فقط، لك أن تتفيَّأ ظل شجرة قريبة من مجد الله فيما خلق في هذا الكون وأسكنه لوحات من الجمال لم تمسسها يد ، بل تذوقتها عين تعرف قيمة الجمال وتفهم لغة حفيف الأشجار وتسمع تهادي نسمات الربيع لحظة اطلالة الفجر، فتغسل جفونها بحبيبات استلقت هانئة في ليل السّحَر على أجساد الورد المزروعة في أرجاء الذاكرة الملهمة. فأتتني الحُروفُ تُمسِكُ شمسا ً وخضيلُ القريض ِ يَعبَقُ ندَّ ا هذه الصور لممتها وانا اقلب صفحات ديوان " صلة تراب" للشيخ فضل مخذر. وما ان تتابع طريقك على دروب الديوان حتى تستشعر معاني قيمة النصر اذا كنت تعرف معناه بعد ليال طويلة من السهر عند موائد المعاناة. وكشَفْتَ السّتار عـنـّـا بنصر ٍ لـيَـديْـه ِ الزمانُ اصبحَ عبدا ويخاطب الفارس الجنوبي وهو الذي خـَبـِـرهُ عن قرب وعرف قيمة عمله ومعدنه، ليثيبه
ولو بالموقف المؤيد له بعدما عانى هذا الفارس ما عاناه من ظلم ذوي القربى الذين طالما وجدوا أنفسهم حيارى أمام فعله، فيخاطبه: أيها الفارس الجنوبيّ مهلا قد بهرْتَ الخيال سيفاً وزندا فخطـانا على هوينـك جهد إن بذلنا على اتباعـك جهـدا ويستثير همم الخانعين ولا يقطع منهم الرجاء: إكسر الكأس وانتفض أيها الممـ ــلـوكُ سُكـْرا كفاك نوماً وسُهدا ثم يستنهض قوما ً ما عُرف عنهم التكاسل والخنوع ، فيعجب مما أصاب هذه الأمة بعد ان غزاها الوهن ونامت فوارسها عن حمى الديار، فصار ميلها للإدبار اكبر، وان يأخذو الدرس مما صنعه لبنان: بني العـروبـة قـومـوا مـن مضـاجعكــم فالعرس ما زال يرثي الرقص والطربا زفـــوا عـرائس مـجــدٍ مـــن بيادرنـــا غنــوا لمـن ســدّ عيـن الشمس والهدبـا غـنـوا للـبـنـان شـطـآنــاً وأوديـــــــــــةً فـتيـانـه السمـر أعـطـوا للغـنـا سبـبــــا دم الكـرامــة يغـلـي فـي سـواعـدهـــــم والرعب مـا زال مـن سجيــل منسربـا لا لـوعة الخـزي هدت مـن عزيـمتهــم ولا نميــرٌ مــن الإيمــان قــد نضبـــــا ويتوعد الصهاينة: أبـنــاء صهيــون مـا زالــت أعـنّـتـنـــا يعـانـق السيـف فـي اوداجهـا اللهـبـا ......................... لا "دير ياسين" ضلت عــن مخـالبـكــم ولا بـ " قانا" أضاع الضيم ما وهبا لا تحسبوا النيل من ارضٍ قد ارتضعت دمــاء ابنائهـا حتى ارتـوت غضبـا إن خـانهـا الجبــن والإذعـان في زمـــن ستـنـبـت الجيــل بعـد الجيل ملتهبا كي تشعل النار في ارجاء نشوتكم وتثبت العـــز تاريخــاً ومنقـلبـــــا ويعيد انشودة النصر الى جبل عامل في لبنان وقد ملأ الكون اعجاباً بصموده: خلائــق الدهر والتاريخ ما شهدت سربا كسربك غطى الكوكب الرحبا يا ابن الجنوب وفيك اليوم أغنيتي ترجو الثـنـاء وروح الشعـر والأدبـا وينقلنا في قصيدة أخرى يحاكي فيها مرح الشباب وغزل الصبا مستذكراً فيها صور البهاء في آلاء هذا الكون واسرار أنس السكون حين تتحاكى المشاعر مستعيدة عفوية روابط "المودة" وصيغة الحب كنعمة الهية وهبها الله للخلق لتعمر في النفوس عوامل الرحمة وأسباب التوادد ويعم السلام روح الانسان ليعمر الكون وتبنى المجتمعات: ليلـي وليلـك والايــام أشبــــــــاه ولوعـة الحـب بعض مــن سجـايــــاه يكفيك أنّ الهوى إنْ كان يسهرنا فقــد غـدونــا نجــومــاً في زوايــــــاه وحسبـك اليـوم إن كنـا يخـامرنـا ظــنٌّ بـــأن سَوادَ اللَّيْـــــلِ أخـفــــــــاه فقـد أطـل وريـد الخـدّ مــن قمــرٍ آهـات قلبـك تسعــى في محيــــــــــاه وأشرق الصبح مـن كحلاء مقلته وانسـلّ نحـو الضحى والثغـر عــرّاهُ وصبّ فينا لهيب العشق من قدحٍ سكرى فصارت وصرنا من ضحاياه في هذا الديوان ينقل ناظم قصائده لوحات انتقاها من خلال رحلاته وتنقلاته على مساحات الجغرافيا كما هي على صفحات الكتابة او منابر الندوات او في امسيات الشعر، فنجده يهرب من المطولات الشعرية ويكتفي بإيصال الصورة بعد ايفاء المشهد حقه، وقد برع في ذلك باكثر من قصيدة حملها الديوان. نجده ينتقل من القصيدة الوطنية الصادقة الإنتماء، الى الغزلية الندية البعيدة عن الارهاص والقريبة من الاذن بنغم تعبيري طريّ. ولانه يختزن في ذاكرته المتنقلة الكثير من الصور، زان قصائده بلوحات رسمتها ريشته وعبر فيها عن الموروث البيئي حيناً وعما التقطته عينه من ارض الانتماء والارتباط بالجذور في قريته التي يأنس الى حكايات أهلها على المصاطب وفي " الجلالي " و " الحواكير" وتحت "العريشة" . ففي هذه اللوحة يستحضر فلاحاً يطوي الطريق مع دابته وفي تلك اللوحة يروق له منظر بيت ترامى في واحة خضراء، أو تخطر على ذاكرته صورة مركب يتهادى في بحر الحياة. وتلفته صبية تستظل شجرة في حالة انتظار وكأن هذه الشجرة نبتت خصيصا لها في ارض فسيحة وليس من حولها سوى فراغ العمر الذي مضى من سنوات هذه الصبية. وفي تلك اللوحة جمع في زهرية ما حوته من ورود المروج. وفي لحظة تمني ان لا يخيب الامل، يغرس بعض كلمات في اذن الحبيبة: زيّنيها من بــريــقٍ فاض منك اليوم فيها عيّديني إن رضيـتِ العيـد منـي واقبليهـــا إجعليهـا ذكـر قلـــبٍ ضـاع منـا والبسيهــا لم أردْها غير ذكرى مـن حبيبٍ فاحفظيهـا إن تريدي بعد قتـلـي قتـل ذكرى فافعليهـا
علي دهيني
|