|
ماهر سعدي، كاتب عراقي يعيش في باريس، صدر له مؤخرا عن «دار الجديد» كتاب «غسان والعاهرات» التي أثارت أسئلة ومتابعة من جرأتها وخوضها الجديد في عوالم الخليج السفلية. رواية سعدي تحقيق شيق بحلة روائية مطعمة على ما بدا بنكهة السيرة الذاتية. عن كتابه هذا الحوار.
ـ «الريمية» اسم مستعار، «نيك نيم»، لمدينة خليجية فاقعة الازدهار، هل الماخور والازدهار صنوان؟
* أجل. الازدهار، عمرانياً وسكانياً، لا سيما إذا كان عالي الوتيرة، غالباً ما يلازمه انتعاش ظرفي موازٍ لأقدم مهنة في التاريخ. فمن سمات المدن الحديثة، حيث العمارات تنمو مثل الفطر، وجود أفواج من رجال عزاب. هكذا، مثلاً، عندما شُيدت «لاس فيغاس» في موقع صحراوي ناء من ولاية «نيفادا»، تقاطرت إليها جحافل بائعات الهوى في ظرف شهور لـ«تسلية» عشرات آلاف العمال الوحيدين المستقدمين. وكلما ارتفعت وتيرة البناء، تفاقم جشع القوادين، «مقاولي الترفيه من الباطن»، فاستجلبوا أعداداً أكثر من بائعات الهوى. الريمية تنمو شاقولياً وتنبسط أفقياً بسرعة تثير الدوار. ما كان لمافيات الدعارة أن تفوت فرصة كهذه.
ـ وهل الاختباء وراء الأسماء المستعارة حيلة أدبية ليس إلا؟
* في ما يخص عاهرات الريمية، فضلاً عن حماية أنفسهن، يختبئن وراء أسماء مستعارة لغايات تجارية بدائية. أكدت لي إحداهن أنها عهدت على تقديم نفسها باسم «فاطمة» للزبائن الأوروبيين «لأن ذلك يثيرهم»؛ و«مارينا» للزبائن العرب «لأن ذلك يهيجهم». هذه واقعة، لم أخترع شيئاً. حسابهن تجاري بحت. وتتفنن كل واحدة في الترويج لنفسها. أما تخفي كاتب ما وراء اسم مستعار، فلأنه لا... حيلة له. حتى البابا الراحل، يوحنا بولس الثاني، نشر في شبابه أشعاراً وكتباً بأكثر من اسم مستعار.
ـ الإنسان العربي رخيص عادة، أما العربية الممتهنة الحب في الريمية فباهظة. هل لك أن تخبرنا عن عربيات الهوى؟ اللافت أن بعض الخليجيات يخضن غمار هذه المهنة لا لحاجة مادية ملحة بل لاقتناء مزيد من الكماليات. هل من حدود برأيك لفكرة «التسوق»؟
* ثمة سوء فهم، على ما يبدو. لم أقل «الإنسان العربي رخيص»، بل قيمة حياته في هذا العالم هي التي باتت متدنية. فما أسهل قتل عربي، من دون حساب أو محاسبة، من دون عقاب أو معاقبة! ولا داعي لذكر الأمثلة كلها. لبنان عاش الأمر في الصيف الماضي (وقبله)؛ العراق يعيشه كل لحظة منذ أربع سنوات (وقبلها)؛ وفلسطين منذ عقود (وقبلها)... أما الإشارة، في الرواية، إلى ارتفاع «ثمن» المحترفات العربيات، فمجرد لمز ساخر مشوب بالمرارة. في معرض الحديث عن «الأسعار»، وردت المفارقة في خاطري، فدونتها بعفوية. والتنويه العابر إلى وجود خليجيات، مع التشديد على الندرة النادرة للحالة، قائم على «شهادات» أشخاص معينين، كشفوا أن اللهاث وراء الكماليات مردُّ انزلاق بضع صبايا في هذه الطريق، في ظروف محدودة ومن دون امتهان حقيقي دائم. حدود التسوق لا تخطـُّها سوى عقلية «المتسوقة» واستعدادها النفسي وبيئتها وخلفيتها. وفي الأحوال كلها، قليلات جداً هن مَن يتجاوزن هذا الحد الأحمر الرهيب... في الريمية على أي حال. ولو لجأت إلى البغاء، في أي بقعة على الأرض، كل صبية تصبو إلى اقتناء هذا الرداء، ذاك الحذاء أو تلك الياقوتة الحمراء، لفاق عدد الغانيات عدد النحلات.
ليس أديباً
ـ رواية جوزيف كسيل «جميلة النهار» كتاب علم في أدب المواخير. هل قرأت كتابه الذي صيره المخرج لويس بونويال فيلماً لعبت فيه كاترين دونوف دور البطولة قبل انكبابك على عملك؟
* لم أقرأ الرواية. بل لم أدر، لغاية طرح هذا السؤال، أن لويس بونيويل استلهم «حسناء النهار» عن رواية لجوزيف كسيل. لكن، في أواخر طفولتي، شاهدت الفيلم في صالة «سينما غرناطة» في بغداد. ولم يأتِ مجدداً على فكري بتاتاً مذاك. وعلى أي، فالشخصية التي تقمصتها كاترين دونوف مختلفة تماماً عن «حسناوات الليل» في الريمية. هؤلاء محترفات متفرغات بوقت تام، ولا يلجأن إلى بيت دعارة سري حكر على «نخبة» معينة، إنما يمارسن المهنة في أندية ليلية يمكن لأي كان أن يلج إلى داخلها، شرط دفع رسم الدخول. لا يعملن نهاراً، إنما في «وضح الليل»، من دون خشية من زوج أو أخ أو أب، بعكس «حسناء النهار»، المتزوجة المتوجلة. قد يتمثل وجه الشبه في أنها، مثلهن، مصابة بحالة من الرعب والافتتان معاً.
ـ «غسان والعاهرات» تحقيق شيق بحلة روائية مطعمة بنكهة السيرة الذاتية. ما العلاقة بين غسان وماهر سعدي؟
* تحقيق: نعم. سيرة ذاتية: كلا. ما من رابط «فيزيائي» بين غسان وماهر. غسان شخصية خيالية «مجمَّعة» من أشخاص حقيقيين متعددين، بحسب شهادات وإدلاءات أنصت إليها ماهر طوال ثلاث سنوات، وراقب سلوك الشهود، وتابع «مغامراتهم». لكن، للنزاهة، عاش أيضاً بعض الحالات الموصوفة، أو عايشها، ولو من باب الفضول. أراد تسجيل مشاهداته، فارتأى أن اللون الروائي أكثر تشويقاً وأريح قراءة من مقال جامد لن يطلع عليه سوى نفر قليل، أو ربما لا أحد البتة. هنا، يجوز الحديث عن «حيلة أدبية». لكن، ليكن معلوماً أن ماهر سعدي ليس أديباً، ولا ولن يدعي ذلك. تجرأ على «اقتراف» رواية لمجرد تمرير تحقيق صحفي، من دون السعي إلى الحكم على المشهد، لا سلباً ولا إيجاباً. لا يقول إن وجود هذه المواخير شر، ولا يزعم العكس. يكتفي بوصف ما لمسه. القارئ هو الحكم الأخير.
ـ جذب الماخور وأجواؤه السرية مخيلة الكتاب والمصورين والسينمائيين غير العرب. ما هي صور المواخير الباقية في مخيلتك؟
* طبعاً، كـُتب الكثير عن المواخير وصُوِّر. سؤالكِ يرغمني على محاولة استذكار ما بقي في رفوف ذاكرتي القديمة. منها، مشهد بيتر فوندا ودنيس هوبر في «إيزي رايدر» يؤمان مبغىً، ثم يجرجران «عاهرتيهما» إلى... دياجير مقبرة ورهبة أقبية أموات، بدلاً من «راحة» أسِرَّة الماخور وطمأنينته. المشهد مروع، تمتزج فيه رائحة الموت بعرق الجسد، وصرخات الاحتضار بآهات النشوة. في باب القراءات، أول ما خطر في ذهني رواية «الحياة أمامك La Vie devant soi» لـ«أميل آجار»، الاسم المستعار الذي ظـُنَّ وقتاً أنه للمدعو «ليون پولياكوف»، ثم تبين أن الكاتب الحقيقي كان خاله «رومان غاري»، وهو أصلاً اسم مستعار لـ«رومان كاتشيف»، الذي انتحر في ,1980 عن 66 عاماً، بعد عام من نشر الرواية، أشهر أعماله. لا أعرف لمَ تذكرت هذه تحديداً، من دون العديد غيرها. ربما لأن قصة نشرها ارتبطت بعقدة معقدة من... أسماء مستعارة؟ على أي، تدور أحداثها في وسط الدعارة الباريسي، في حي «باربيس»، في سبعينيات القرن الفائت.
ـ بنت الهوى شخصية حاضرة في كل الأعمال الأدبية، هل أردت بشكل من الأشكال إشهار حبك لهن؟
* بائعة الهوى حاضرة في أعمال كثيرة، ولا أقول كلها. أما أنا، فلم أشأ إشهار حبي لها، ولا حقدي عليها، لا شفقتي ولا تشفيَّ، ولا أي عاطفة محددة المعالم. أزمعت فقط وصف حالة قائمة، بكل جمود ومن منظور «مشتري» الهوى أكثر من بائعته، من دون إصدار حكم، لا مسبق ولا مؤخر.
ـ القواد أو القوادة شخصية أساسية في هذه المهنة. هل لك أن تفند لنا شخصية كل منهما والتباس علاقتهما مع البنات؟
* لا أعرف قوادين وقوادات معرفة شخصية لكي أقوى على «تفنيد» كهذا. إلا أن «فريدة»، في «غسان والعاهرات»، شخصية حقيقية. التقيتها بضع مرات وأنصتُّ إليها ورصدت سلوكها. لحظت أنها مرحة، لطيفة، سريعة البديهة، تجيد الفكاهة والتنكيت، محبة للحياة، بل سعيدة بوضعها... وفي الوقت نفسه، جشعة وطموحة بالمنحى السلبي، تجارية العقلية بالفطرة، وأحياناً مبتذلة وبذيئة. علاقاتها بـ«بناتها» تتسم فعلاً بشيء من الغموض والتناقض: التسلط التعسفي والحنان المخملي معاً، الازدراء المقرف والعناية الأمومية في آن. لكنها، «فريدة»، مجرد حلقة صغيرة في سلسلة المافيا الروسية الأخطبوطية العملاقة. والمافيات الأخرى، طبعاً، لا تقل ضراوة وماكيافيلية. لكن المافيا الروسية هي السائدة في الريمية.
مفرط الواقعية
ـ العامية العراقية حاضرة في روايتك إضافة إلى عاميات أخرى، أتظن أن «العولمة» والفضائيات أتاحتا لعامياتنا أن تتعارف وتمتزج؟
* في البداية، كتبت الحوارات كلها بالفصحى. قرأ النصَّ أحدُ أصدقائي، وهو كاتب مرموق. فأبدى تحفظاً أساسياً: يبدو سريالياً أن يتحدث عراقيان، فيقول أحدهما للآخر: «أحقاً؟ أتود إقناعي بأن...»، فيرد هذا: «أجل، إنه لأمر حتمي، لقد عقدت العزم على أن...»، إلخ. وبما أني أردت للنص أن يكون نقيض التجريد والسريالية، بل مفرط الواقعية (على الأقل في شِقه الأول)، سمعت نصيحة صديقي الكاتب، فغيرت الحوارات بين الشخصيات العراقية إلى العامية. واستبدلت العديد منها بفقرات سردية، لتفادي إثقال النص بلغة دارجة قد يتلكأ القارئ العربي في فهمها. بالمقابل، أبقيت الفصحى للحوارات الأخرى، تلك التي تدور مع «أجانب»، على أساس أنها ترجمة لكلام يفترض أصلاً أنه قيل بالإنكليزية في سياق الرواية. وعلى الرغم من عدم ترحيبي بفكرة سيادة العاميات على حساب العربية، أقرُّ معكِ بأن الأغاني والأفلام والمسرحيات والتمثيليات، والتلفزيون خصوصاً، أسهمت في تسهيل فك شفرة اللهجات العربية المختلفة. وهو شيء جميل في حد ذاته. ربَّ من وصفنا، نحن العرب، بأننا «ظاهرة صوتية». هذه المقولة التهكمية تعكس الواقع إلى حد بعيد، مع الأسف. لذا، ينبغي على الأقل أن نفهم أصوات بعضنا بعضاً لكي نظل عرباً. وستكون الطامة أكبر من كبرى لو أضيف سوء الفهم «الصوتي»، إن لم نقل عدم الفهم تماماً، إلى حساسياتنا المفرطة الأخرى، وشعورنا بالتعالي تجاه بعضنا بعضا، وبالنقص تجاه «الأجانب». فلنتمنَّ أن يشكل فهم لهجة الآخر انطلاقة لتصالح أعم وأشمل.
نهاية كرتونية
ـ غسان يتعرف في نهاية الكتاب إلى ابنه الأميركي مايكل، تبدو النهاية «روكومبولسكية» درجة الهــــزل وكأنها لا تمت إلى واقعية التحقيق الأمين ببشيء، ما قولك؟ أقصدت الاســـتهزاء، أم أنك ترى إلى شخصياتك وكأنها كرتونية لا صلة لها بالواقع؟
* النهاية أكثر من «روكامبولسكية». حتى خيال «أوجين لابيش»، الذي ابتكر «روكامبول»، ما كان ليجرؤ على مثل هذه الفنطازية، ربما لأن أفلام الكرتون لم تكن مستنبطة بعد في منتصف القرن التاسع عشر. والسبب، مثلما حزرتِ إلى حد بعيد، هو أن رغبة ألمت بي بالانعتاق من واقع موصوف بدقة مفرطة في الشق الأول، عبر استنباط شخصيات وحالات لا نرى مثلها سوى في الأفلام الهندية... ربما، وصوغ نهاية مستحيلة... حتى في حكايات الجدات. أجل، قصة الابن الأميركي و«معجزة» إيجاد أبيه البيولوجي أتيتا لكي تشكلا النقيض التام والثقل المضاد للشطر الأول من التحقيق... عفواً الرواية. كان لا بد من إضفاء بعد خيالي روائي على وصف واقعي تقريري. وبما أنه خيال، فلمَ لا يترك له العنان، وإن كان عناناً كرتونياً؟ لكن، حتى هذا السرد الكرتوني قائم على أرضية حقيقية. وهنا، يندمج فعلاً غسان وماهر. ففي شبابي، التقيت حقاً فتاة أسرَّت إليَّ بأنها تحلم بإنجاب ثلاثة أولاد من ثلاثة آباء مختلفين، أولهم إيطالي. وأكدت فعلاً أنها حسبتني إيطالياً. لم أرها أو أسمع عنها شيئاً بعد. ولم أعرف قط إن حققت أمنيتها، سواء أمنـِّي أم مِن «الأبوين الآخرَين» المفترضَين. إلى هنا، ينتهي الواقع، فيسترسل مــــاهر في الحكاية، ويــــبتدع لها تتمة كرتونية. إلا أنه، حتى في هذا المجال، توخى الابتعاد عن التجريد. النهاية فنطازية، لكنها مسرودة بأسلوب تقريري، هي أيضاً.
ـ غسان والعاهرات تحقيق ـ روائي مجتهد، والحديث عن مواخير الريمية قد يفتح الباب لوصف مواخير بلاد أخرى، ما رأيك؟
* أترك الحديث عن المواخير الأخرى لمن عجنوها وخبزوها، أو اكتووا بتنورها. فببساطة، لم أعرف شيئاً في حياتي من قبل عن مباغي المدن الأخرى التي عشت فيها، بما فيها مسقط رأسي، ولم أرتدها أو أنصت إلى شخصياتها. ولو «ارتكبت» كتاباً آخر ـ وهو احتمال ضعيف، على الأقل راهناً ـ قطعاً لن يدور في فلك المواخير المدوخ ومرتاديها المتبطرين وعالمها المضني وجوّها الرمادي الغامق الخانق.
عناية جابر ـ السفير ـ 1/5/2007
|