|
في ظلّ الموجة التي تشهدها سوق الكتب العربية اليوم، من إقبال على شراء روايات الكتّاب السعوديين، أو تلك التي تتناول أسرار المجتمع السعودي المحافظ، على غرار "بنات الرياض" و"حبّ في السعوديّة" و"جاهليّة" وغيرها كثير، يبرز كتاب الباحثة الاجتماعية منى المنجّد، "نساء سعوديات يتكلّمن"، ليحاول، في مهمّة لا تخلو من جرأة غريبة، تصويب الصورة التي يرسمها العالم بأجمعه عن المرأة السعودية. من هنا، إذا كنتَ ممّن يرسم في ذهنه صورة نمطية عن المرأة السعودية المدثرة بالسواد من رأسها الى أخمص قدميها، أو تبادر إلى التعليق بصورة تلقائية وساذجة كلما سُئلت عنها: "هي من الخضوع والتهميش ما لا يمكّنها حتى من قيادة السيارات"، فإن منى المنجّد تأخذ على عاتقها قلب هذه الصورة رأساً على عقب، وتدفع القارئ إلى التشكيك في معطيات لطالما جزم بحقيقتها عن المرأة السعودية. في اختصار، تضع المنجّد نفسها أمام تحدّ عسير، إما تستحوذ في نهايته على تأييد القارئ، وإما تؤسَر في خانة المعصوم عن التصديق. ويبدو أن ريشتها قد أطالت، في أكثر من مناسبة، السكن على عتبات الخانة الثانية.
صدر هذا الكتاب باللغة الانكليزية عن "المعهد العربي للدراسات والنشر". تالياً، هو يتوجّه في المقام الأول إلى القارئ الأجنبي، إلى جانب فئة كبيرة من المجتمع العربي في الدرجة الثانية. وفيه، تجعل الكاتبة من المرأة السعودية محور بحثها والشخصية الرئيسية الفاعلة التي تمسك بزمام الكتاب من الغلاف إلى الغلاف؛ كما تنبري، في مقابلتها لأربع وعشرين امرأة سعودية يروين تجارب نجاحهنّ، للإثبات أن المرأة السعودية متكيّفة تماماً وأسلوب حياتها. لكن ما يؤخذ على المنجّد، حرصها على انتقاء سيّدات مرموقات، سواء من أفراد العائلة المالكة أو من ذوات المكانة الرفيعة، رسمت كلٌّ منهنّ خطّها الخاص، في مجالات الرعاية الاجتماعية، والطب، والرسم، وتصميم الأزياء، والصحافة والإعلام... وابتعادها تالياً عن النساء اللواتي لا ملاعق ذهب في أفواههنّ. في عبارة أخرى، عوض النزول إلى مستوى المرأة السعودية في الطبقة الدنيا، عكست المنجّد واقع مجتمع سعودي مشرق ومنفتح، من خلال التطرق إلى تجارب أميرات، ونساء ثريات، ومحسنات كريمات، وسليلات عائلات تنشد العلم، لم يعانينَ، على الأرجح، مشقّة كبيرة في المطالبة بحقوقهنّ، مقارنةً بغيرهنّ من بنات الطبقة العادية. من هذا المنطلق، قد يلمس القارئ شيئاً من المبالغة على امتداد الصفحات، كما جاء على لسان صاحبة المركز الاجتماعي الأول في جدّة لرعاية الأطفال المعوقين، مهى الجفالي: "أنظروا حولكم، وتأمّلوا عدد النساء المتعلمات، وصاحبات المهن، لا بل عدد الطبيبات اللواتي يتخرّجن كل سنة، ناهيك بالمصارف التي تديرها نساء لا غير. وأخبروني، بالله عليكم، أيّ مكان آخر في العالم يتمتّع بهذه الصفات؟ ما من مكان!" وعليه، تميّزت النبرة والنمط الكتابي، في القسم الغالب من الصفحات، بلهجة دفاعية وتبريرية؛ ممّا جعل المرأة في هذا الكتاب تنحو نحو المثالية في وصف مسيرتها المهنية، وخفّف من اللمسة الواقعية التي يصبو إليها القارئ، ولاسيما أن النساء لم يتعمّقن، إلا لماماً، في الحديث عن العراقيل والسلبيات. فضلاً عن ذلك، لا يملك المتأمّل في ردود النساء الأربع والعشرين، إلا أن يلاحظ أن دعم الأهل، وإرسال بناتهنّ لاستكمال علومهنّ في الخارج، وتغيّر نمط تفكير الرجل السعودي والسلطات الرسمية، شيئاً فشيئاً، نحو الانفتاح والمرونة، تكاد تكون السمات المشتركة التي ميّزت حياة معظم النسوة في هذا الكتاب. لكن في مقابل هذا الاندفاع في رفع صورة الاضطهاد عن المرأة السعودية، لا تتورّع بعض النساء الأخريات عن وضع النقاط على الحروف. في هذا الإطار، لا تنفي الصحافية الجوهرة العنقري أن الصورة ليست مشرقة دوماً: فالنظرة السلبية التي يحملها الغرب إلى المرأة السعودية، عموماً، ذنبٌ من ذنوب المجتمع السعودي نفسه، قبل كل شيء: "نحن مجتمعٌ مغلق، ولا نبذل أيّ مجهود لإعطاء صورة دقيقة عمّا نحن عليه فعلاً". من جهتها، تصف عائشة المانع كيف اضطرت، هي وسبع وأربعون امرأة أخرى، إلى انتظار أزواجهنّ وآبائهنّ لاصطحابهنّ من أحد مراكز الشرطة، بعدما اعتُقلن لقيادة أربع عشرة سيارة في مسيرة احتجاجية سلمية ضمن شوارع الرياض. يمكن القول، أخيراً، إنه لو قدّر للنساء الأربع والعشرين أن يتماهينَ في صورة امرأة واحدة، لما صعب على القارئ تخيّل ذلك، نظراً الى نمط مشابه سلكته الجلسات الحوارية بين الباحثة وشخصيات الكتاب. وربما رمت المنجّد إلى تشكيل صورة عن المرأة القوية، المحنّكة، والكفوءة، كما تطمح هي أن تراها، تلك التي تكشف عن برقع كانت تغلّف به نفسها وإحساسها، إخفاءً لندوب وتشويهات وعورات غير موجودة؛ فتثبت، بعيداً عن تجاذباتها مع أب محافظ، وزوج متسلّط، وفئات دينية متشددة، أن وجهها الآخر الذي لم يره العالم بعد، أكبر بكثير من القالب الذي أُفرغت فيه. من هنا، جاء هذا الكتاب ليكون إدانةً للأحكام المسبقة، وتشريعاً لأبواب موصدة، وجسراً للتواصل، ونافذة للحوار، وتأكيداً أن الخلق قد يولد أيضاً بين أنامل امرأة سعودية... صاحبة صوت خجول وحجاب.
النهار السبت 2/6/2007 نور الأسعد
|