|
لعله من اجمل العناوين وأكثرها بساطة. من كثرة استعماله الشفاهي غاب عن بال الكثيرين استعماله فعلا كعنوان أدبي لكتاب مسرحي. «3 دقات» هي كلمة السر بين المسرحيين ففي الدقة الثالثة يبدأ العرض، وعند زاهي وهبي 3 دقات تؤذن بالكتابة عن المسرح والمسرحيين في بيروت «مسقط قلبه». بيروت لا غير، متلطية خلف ابطال كتابة زاهي، وبغتة تنط على خشبة المسرح: «بيروت على خشبة مسرح» وسوف تتدفق الذاكرة بالاسماء والمسرحيات والمناهج والنصوص وروح المرحلة التي جمعتهم، ليعيد وهبي تذكيرنا بهم عبر نصوصه بين دفتي الكتاب، وكان بدأ نشرها في التسعينيات، وحتى وقت قريب ماض.
في كتاب زاهي هذا البذل العاطفي لشخصيات بيروته ولمشهدها المسرحي الذي شاءه واسعا، مشكلا من زمن عودة المسرح الى حضن العاصمة بعد وقوعه في فخ حرب أهلية، ما زالت. صفحة من كتاب المدينة ليست العاطفة ـ التي تسم الشاعر بالاساس ـ ما منح الكتابة سخونتها، بل تعاضدها الدراية بنوع الفن المسرحي ليأتي «3 دقات» ضرورة تسد نقصا، في المكتبة المسرحية اللبنانية لحقبة التسعينيات، من خلال اختيارات للكاتب شاءها من ارشيفه الغني، بحضور عدد قليل من الكتب التي تؤرخ للمسرح، لبول شاوول وعبيدو باشا وسواهما. زاهي وهبي ابن الريف اللبناني لا يتنكر لعري حضوره الاول، ولا لدهشته الاولى امام العروض المسرحية، فالمسرح هو فن مديني، ناضل وهبي لدخول عوالمه، سواء في نصوصه المنشورة، وحتى خارج تلك النصوص، موضحا في المقدمتين المهداتين لكل الأحبة، السبب في اختياره لنصوصه القديمة تلك من عدم زعمها لنفسها، أكثر مما هي، «مجرد جزء من ذاكرة، وصفحة من كتاب المدينة، لن يشطبها احد بعد الآن، فها هي صارت طيّ دفتي كتاب، لا للتأريخ او للارشفة، بل على شكل انطباعات متفرج كاد يقفز من الصالة الى الخشبة».
من إلحاح الاسئلة، والاجوبة التي بدورها اسئلة، بحث زاهي في اي صورة يقدمها لنا المسرح عن أنفسنا في عصر الصورة الفضائية؟ وهل من متسع للمرآة المسرحية في زحمة آلاف المرايا التكنولوجيا الباردة؟ هل تحميه حرارته الإنسانية، اي هل يحمي المسرح من الاستهلاك و«التمعدن» كونه لا يمكن ان يكون بلا إنسان، بلا اللحم الحي والجسد النابض والروح الحرة الطليقة الباحثة أبدا عن معنى وجودهاوكيفية خلاصها. نصوص وهبي نشرت بمعظمها في جريدة النهار بشكل أساس، وهو لم يغفل الأب الروحي لهذه النصوص، الشاعر شوقي ابي شقرا الذي لولاه «لما كان لهذه الذاكرة ان تنكتب. شاعر محرك ومحرض شرّع صفحات القسم الثقافي في جريدة النهار لأكثر من ثلاثين عاما، امام كل ذي قلم فاتن ومفتون بالمدينة التي اتسعت للمنبوذين والمنفيين والهاربين والحالمين المشاركين في طقوسها أدباً وشعراً ومسرحاً ونغماً ورسماً وحياة». إننا امام نصوص وحوارات كتبها وهبي، وتعيد اقتراح حضورها على القراء تحت ضوء استعادة نقدية واستعادة معرفية في رحلات يرويها اصحابها. كل من هو حاضر في نصوص وهبي هو مكرّم وممدوح في اختيار الكاتب له اولا، وفي استعادة تجربته. المسرح هنا ليس مركزا بحد ذاته، اذ تبحث النصوص في كل ما يتفرع عنه وفي قضاياه النقابية، وفي تخليص شخصياته من هوة النسيان. اللبنانيون: بول شاوول، رفيق علي احمد، روجيه عساف والكثيرون، ليسوا فقط من خاض في أفكارهم قلم وهبي، بل هناك النخب العربية الفنية في نصوصه كسعد الله ونوس السوري وجواد الأسدي العراقي وفاضل الجعايبي التونسي الى اسماء كثيرة لها بصمتها في عالم الخشبة ومتفرعاته. وعلى صعيد التجربة المسرحية ـ بالاضافة الى حوار مطول عن معركة النقابات الفنية مع الزميل عبيدو باشا ـ هناك استعادة لسياق التجارب التي بدأت مع روجيه عساف ولم تنته مع الشاعر والكاتب المسرحي بول شاوول، ونضال الاشقر ومنصور وزياد الرحباني ويعقوب الشدراوي وشكيب خوري وسهام ناصر وميشال جبر وصولا الى جيل الشباب. وهبي الذي لبث في حدود «الفرجة» والشغف والهواية الى المسرح، نقرأ في ذاكرته الغنية المثقلة بالاسماء ونرى الى مذكِّر متواضع أمين، ومحب لا يتوانى عن رفع صوته بمديح شخصيات شغفه، ليس فقط باستعادتهم في «3 دقات» موثقة وباقية الى امد طويل، من صندوق ذاكرته ومن وجودهم الفعلي اذ ان جلهم ما زال يعمل حتى اللحظة، بل حين يرفع محاولاتهم وتجاربهم من ثغور المدينة ومن انتهاكها المستمر بفعل الحرب، رافعا لواء الحياة واشخاصها من أتون نار مشتعل. هي تسعينيات القرن العشرين، عقد مفصلي يقول زاهي، لا لكونه ختام ألفية وعتبة اخرى، بل لكثرة التحولات العاصفة التي شهدها في شتى الميادين. هي إطلالة على بيروت، غير انها المشهد الثابت الآن في «3 دقات»، مشهد في عقد شائك وملتبس من تاريخ المدينة، فنقف فيها على مشارف الجمهورية الثانية التي خلقت جوها ونقاشها ومسرحها وتجاربها الاخرى، وها نحن نراها تنهار في هذه الايام. المواجهة ثمة ما هو مؤثر اكثر، بين نصوص وهبي المكتوبة في اشخاص كتابه، ذلك الذي كتبه عن سعد الله ونوس «من أحاجج» احببت ان اسقط فيه حال بيروت اليوم على حال ونوس في شجاعته حيال الموت، حيث معنى الشجاعة هنا، لونوس ولبيروت على السواء، يكمن في المواجهة الضارية لا مع المرض والحرب فحسب، بل مع كل الاثقال والتراكمات وندوب التقاتل التي قد تعطل في الحس الإنساني لونوس وفي الحس المديني الحياتي لبيروت، وتحولهما الى مجرد كائن ومجرد مدينة يرضيان بنصيبهما الذي تقرر، سوى ان العجز الحقيقي لكليهما هو الموت نفسه الذي حولاه هو نفسه، الى مادة حية فيها هذا القدر من النضارة والاشعاع والنضال، لا في نصوص ونوس، او بطولات بيروت فحسب بل في تحويلهما كل على طريقته، الموت الى حياة، لا للحظة او حقبة، بل لعمر يطول الى الأبد.
عناية جابر السفير 5/6/2007
|